قَوْلُهُ تَعَالَى : ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ؛ أي إذا تَزوَّجتُمُوهُنَّ من قَبْلِ أن تُجامِعُوهن، فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ، تَسْتَوْفُونَهَا بالعَدَدِ لا بالحيضِ ولا بالشُّهور. والاعْتِدَادُ هو استيفاءُ العَدَدِ، أسقطَ اللهُ العِدَّةَ من الْمُطَلَّقَةِ قَبْلَ الدُّخولِ لبَرَاءَةِ رحِمِها، فلو شاءَتْ تزوَّجت مِن يومِها.
قَوْلُهُ تَعَالَى : فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ؛ أي أعْطُوهُنَّ مُتْعَةَ الطلاقِ، وهذا على سبيلِ الوجُوب فيمَن يدخلُ بها ولَم يُسَمِّ لَها مهراً، وعلى النَّدب في مَن سَمَّى لَها مهراً ثُم طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ.
وقال سعيدُ بن المسيَّب :(نُسِخَ حُكْمُ هَذِهِ الآيَةِ بقَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة : ٢٣٧]). وقال الحسنُ :(الْمُتْعَةُ وَاجِبَةٌ لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ وَمُخْتَلَعَةٍ وَمُلْتَعَنَةٍ، وَلَكِنْ لاَ يُجْيَرُ عَلَيْهَا الزَّوْجُ).
وقَوْلُهُ تَعَالَى : وَسَرِّحُوهُنَّ أرادَ له التسريحُ عن المنْزِلِ لا عن النكاحِ ؛ لأن حقَّ الحبسِ لا يثبتُ إلاّ بأحدِ الأمرين : إما النكاحُ ؛ وإما العدَّةُ، وقد عُدَّ ما جميع في هذا الموضعِ بعددِ الطَّلاق المذكور.
والسَّراحُ الجميلُ : هو الذي لا يكونُ فيه جَفْوَةٌ ولا أذَى ولا منعُ حقٍّ. قال ابنُ عبَّاس رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في قولهِ فَمَتِّعُوهُنَّ :(أيْ أعْطُوهُنَّ الْمُتْعَةَ، قَالَ : وَهَذا إذا لَمْ يَكُنْ سَمَّى لَهَا صَدَاقاً، فَأَمَّا إذا فَرَضَ صَدَاقاً فَلَهَا نِصْفٌ).
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني