تحدث كتاب الله في هذه الآية الأولى من هذا الربع عن إحدى الحالات التي تتعرض لها الحياة الزوجية، وهي حالة من أمضى عقد النكاح، لكن قبل الدخول بمن عقد عليها دعاه داع ملح إلى فراقها، ففي هذه الحالة لا تجب عليها عدة، وتستطيع استيناف الزواج بمجرد الفراق، بينما يجب على مطلقها أن يؤدي لها في الحين نصف الصداق المسمى في العقد، وإذا لم يكن الصداق ( مسمى ) لأن النكاح ( نكاح تفويض )، ووقع الطلاق قبل التراضي على الصداق كان لها الحق في ( المتعة ) وحدها، وهي ما يقدمه الزوج للزوجة عند طلاقها، لمساعدتها ماديا على تخطي مرحلة الطلاق، في انتظار المرحلة القادمة من الزواج، وهذه المتعة شبه التعويض بلغة العصر، وليفارقها على وجه جميل، وذلك قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات، ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا .
ويلاحظ في هذه الآية وصف الزوجات المعقود عليهن بوصف المؤمنات ، فقد قال تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ، إرشادا من الله لعباده إلى أن أفضل زواج ينبغي أن يختاره المؤمن لنفسه هو الزواج بمؤمنة مثله تدين بدينه، وتشعر بشعوره، وتكون لها نفس النظرة إلى الحياة التي يحياها، ونفس الاحترام للمقدسات التي يقدسها، والقيم التي يحافظ عليها، فينشأ أولاده في بيئة مؤمنة يسودها الانسجام والوئام، نفسيا وروحيا واجتماعيا، أما الزواج ( بالكتابيات ) فلم يندب إليه الإسلام أصالة، وإنما أباحه بصفة استثنائية، لتحقيق بعض الأغراض الشرعية، بحيث متى أصبح ذلك الزواج عاجزا عن تحقيقها كان البعد عنه أوجب وأولى، لما له من عواقب سيئة محققة، على الأسرة المسلمة و المجتمع الإسلامي.
كما يلاحظ في هذه الآية إطلاق ( النكاح ) على العقد وحده، قال ابن كثير ( وليس في القرآن آية أصرح في ذلك من هذه الآية ).
ويشهد لما ذكرناه من وجوب أداء نصف الصداق ( المسمى ) إلى الزوجة المطلقة قبل الدخول قوله تعالى فيما سبق من سورة البقرة ( ٢٣٧ ) : وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم .
أما ( المتعة ) بالنسبة لمن كان نكاحها نكاح ( تفويض ) لأنه لم يسم صداقها قبل الطلاق، فيراعى في قدرها حال الزوج المفارق، مصداقا لقوله تعالى في نفس السورة ( ٣٦ : ٢ ) : لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، متاعا بالمعروف، حقا على المحسنين .
وأما الزوجة التي تم العقد عليها ثم مات عنها زوجها قبل الدخول، فلا بد لها من أن تعتد منه أربعة أشهر وعشرا، وهي في ذلك سواء مع الزوجة التي مات عنها زوجها بعد الدخول، مصداقا لقوله تعالى فيما سبق من سورة البقرة ( ٢٣٤ ) والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا .
والحكمة في ذلك بالنسبة لمن مات عنها زوجها قبل الدخول إشعار الزوجة المتوفي عنها زوجها بأن اختياره لها، وتعلق قلبه بها، وحرصه على تكوين أسرة معها، ومفاجأته بالموت قبل تحقيق أمنيته، كل ذلك يستحق من جانبها تقدير فقده واحترام ذكراه، وعدم التسرع في الزواج بغيره في الحين، فالزواج تحيط به اعتبارات إنسانية وأخلاقية متعددة، وليس عقدا ماديا صرفا.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري