ﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗ

ثم يقول الحق سبحانه :
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ( ٤٩ ) .
تتحدث الآية عن مسألة اجتماعية تخص حفظ النوع، وحفظ النوع الإنساني لا يتأتى إلا بالزواج، وهو وسيلة التكاثر، وأولى مراحل الزواج مرحلة الخطبة، وكثيرون لا يفهمون معنى الخطبة وحدودها لكل من الرجل والمرأة، فالخطبة مجرد أن يذهب طالب البنت إلى وليّها ليقول له : أإذا تقدمت لطلب يد ابنتك أكون أهلا للقبول ؟
فيقول وليّها : مرحبا بك، هذه تسمى خطبة، وربما لا يتقدم، فإن تقدم لها، له أن يراها مرة واحدة بين محارمها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للشاب الذي أراد الخطبة : " انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " ١.
وعجيب أن يخلط الناس بين الخطبة والعقد، فيعطون الخطبة صفة العقد، فإذا قبل الولي الخاطب اتفق معه على المهر أو الشبكة وعلى كلّ تفاصيل الزواج، وأباح له أن يجلس مع ابنته، وأن يتحدث معها، وربما يختلى بها، وياليتهم جعلوها عقدا، فأخرجوا أنفسهم من هذا الحرج.
فالخطبة إن عدل عنها الخاطب ما عليهم إلا أن يذهب إلى وليّ البنت فيقول له : لقد طلبت منك يد ابنتك وأنا في حلّ من هذا الأمر، أما العقد فلا يفسخ قبل الدخول إلا بالطلاق، إذن : لا تجعلوها صورة خطبة وموضوعية عقد.
والحق سبحانه وتعالى يبين لنا في هذه الآية الكريمة ما يتعلق بأحكام الطلاق إن وقع قبل الدخول بالزوجة : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا.. ( ٤٩ ) [ الأحزاب ].
فالنكاح هنا مقصود به العقد فقط، وإلا لو قصد به المعنى الآخر لما قال مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ.. ( ٤٩ ) [ الأحزاب ] والمسّ كناية عن الجماع، وهو عملية دائما يسترها القرآن بألفاظ لا تدل عليه حقيقة.
والحكم هنا فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا.. ( ٤٩ ) [ الأحزاب ] فليس للزوج على زوجته عدّة إن طلقها٢ قبل أن يدخل بها ؛ لأن العدة إنما كانت لحكمة : فالعدة في حالة الطلاق الرجعي تعطي للزوج فرصة أن يراجع زوجته، وأن يعيدها بنفسه إلى عصمته، والعدة تكون لاستبراء الرحم والتأكد من خلوّه من الحمل، وقد تكون العدّة، لا لهذا ولا لذاك، ولكن لأنه توفي عنها٣.
فالعدّة قبل الدخول لها حكم، وبعد الدخول لها حكم آخر، وهذا الفرق يتضح كذلك في مسألة المهر، فقبل الدخول للزوجة نصف مهرها، كما قال سبحانه : فنصف ما فرضتم.. ( ٢٣٧ ) [ البقرة ] وقال هنا : فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ( ٤٩ ) [ الأحزاب ] فإن سمى المهر بين الطرفين فلها نصفه، وإن لم يسمّ فلها نصف مهر المثل.
أما العدّة بعد الدخول ففيها تفصيل، بحيث تختلف من حالة لأخرى بما يناسب الحالة التي تشرع فيها العدة، والعدة كما قلنا : تدل على أنها شيء معدود، فإن كانت المرأة من ذوات الحيض، فهي ثلاث حيضات، ليتأكد خلالها استبراء الرحم، لكن الرحم يستبرئ من مرة واحدة، فلماذا جعلها الله ثلاث حيضات ؟
قالوا : الهدف من ذلك إعطاء الزوج فرصة، فقد يراجع نفسه وتهدأ نفسه، فيراجع زوجته في هذه المدة، فالشرع هنا يراعي بناء الأسرة، ألا ترى أن الحق سبحانه شرع التقاء الزوج بزوجته بكلمة : زوجني وزوجتك، أما في حالة الطلاق والفراق بين الزوجين، فجعله على ثلاث مراحل، لأن الله تعالى يريد ألاّ يجعل للغضب العابر سبيلا لنقض كلمة الله في الزواج.
وأذكر أنهم كانوا يسألوننا سؤالا وكأنه لغز : أو يعتدّ الرجل ؟ أو : أو ليس للمرأة عدة عند الرجل ؟ قالوا : نعم، يعتدّ الرجل في حالة واحدة وهي : إذا تزوج امرأة ثم طلقها، وأراد أن يتزوج بأختها، فعليه أن يمضي العدة ليحل له الزواج بأختها.
أما عدّة التي انقطع عنها الحيض فثلاثة أشهر، وعدة الحامل أن تضع حملها، أما عدة المتوفى عنها زوجها فأربعة أشهر وعشرة أيام، لكن ما الحكم إذا اجتمع للمرأة مع وفاة الزوج، فكيف تعتد ؟ قالوا : تعتد في هذه الحالة بأبعد الأجلين : الحمل، أو الأربعة أشهر وعشرة أيام.
ولك أن تسأل : لماذا كانت عدة المطلقة ثلاثة أشهر، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام ؟ قالوا : لأن هناك فرقا بين الطلاق والوفاة بالنسبة لعلاقة الزوج بزوجته، سببه أن الذي خلق الذكر والأنثى جعل هناك كلمة تجمعهما، هذه الكلمة هي : زوجني وزوّجتك شريطة أن تكون علانية على رءوس الأشهاد، ولا تستهن بهذه الكلمة، فأنت لا تعلم ما الذي تصنعه هذه الكلمة في ذرات التكوين الإنساني، ولكنك تعرفها بآثارها.
وقلنا : هب أنك تعرضت لشاب تعودّ معاكسة ابنتك مثلا، ماذا تصنع أنت ؟ لا شكّ أنك ستثور، ويفور دمك، وتأخذك الغيرة، وربما تعرضت له بالإيذاء، أما إن جاء من الباب، وطلب يدها منك ترحب به وتسعد ويفرح الجميع، فما الذي حدث ؟ وما الفرق بين الموقفين ؟ فالذي أهاجك انه تلصّص عليها من غير إذن خالقها، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم :( اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله )٤.
ويقول رسول الله لرجل كان مشهورا بالغيرة على بناته، وقد جاء يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زواج إحدى بناته، فضحك رسول الله وقال : " جدع الحلال أنف الغيرة ".
فالعقد الذي يجمع الزوجين على كلمة الله يجعل الله به بين الزوجين سيالا حلالا عند كل منهما، ويلتقي هذان السيالان في الحلال وتحت مظلة الشرع الذي جمعهما.
وعادة ما يصاحب الطلاق بغض من الطرفين، أو كره من أحدهما للآخر، لذلك تكون العدة بينهما ثلاثة أشهر أو وضع الحمل، لأن الكراهية التي حدثت بينهما تميت خلايا الالتقاء بين الأنسجة، وتسرع بانتهاء ما بينهما من سيال وتطمسه.
أما في حالة موت الزوج، فقد قطع النكاح قدريا من الله، فعادة ما تكون الزوجة محبة لزوجها، حزينة على فقده، وتأتي فاجعة الموت، فتزيدها حبا له، وفي هذه الحالة ليس من السهل أن ينتهي السيال بينهما ؛ لذلك يشاء الخالق سبحانه أن يطيل أمد العدة إلى أن ينتهي هذا السيال الذي جمعهما، فلا يدخل على سيال الرجل سيال جديد، فيحدث صراع بين السيالين، لذلك كانت عدّة المتوفي عنها زوجها أطول من عدة المطلقة.
وقوله تعالى : ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ.. ( ٤٩ ) [ الأحزاب ] يعني : أن الطلاق قبل المسّ والدخول كان موجودا كما هو موجود الآن، ونحن نرى الطرفين أو أحدهما يتعجل العقد، رغم أنه غير مستعد لنفقات الزواج، إنما يتعجله لمصلحة تعود عليه من هذا الارتباط.
وقد ذكر لنا التاريخ أن كثيرا من الأسر، خاصة الأسر العربية الأصيلة كانت تفعل ذلك، لكنهم لم يكونوا يسمحون للزوج في هذه الحالة أن يختلي بالزوجة، وإن كان عاقدا عليها، وبعض فتياتنا لهن قصص مشرّفة في هذه المسألة.
ومما روى في هذا الصدد قصة بهيثة بنت أوس بن حارثة الطائي والحارث بن عوف، وهو سيد من سادات بني مرة، وكان للحارث ابن عوف صديق اسمه ابن سنان، وفي ليلة جلس الحارث يتسامر مع صديقه ابن سنان فقال له : ترني لو أنني خطبت إلى أحد من العرب ابنته أيردّني ؟ قالها وهو معتز بنفسه فخور بسيادته على قومه.
فلما رآه صاحبه على هذه الحالة قال له : نعم هناك من يردّك، قال : من ؟ قال : أوس بن حارثة الطائي، فنادى الحارث على غلامه وقال : أحضر المراكب، وهيا بنا إلى أوس بن حارثة الطائي، فذهبوا إليه، فوجدوه جالسا في فناء بيته، فلما رآه أوس قال له : مرحبا بك يا حارث، فأقبل عليه الحارث، وقال : ويك يا أوس، ما الذي جاء بك ؟ وتركه على دابته قال : جئتك خاطبا لابنتك، فقال له : لست هناك يعني لست أهلا لها فلوى الحارث زمام دابته منصرفا، في حين بدا على ابن سنان الارتياح، لأن كلامه صدق في صاحبه.
فلما دخل أوس على امرأته سألته : من رجل وقف معك فلم يطل ولم ينزل ؟ قال : إنه الحارث بن عوف سيد من سادات بني مرة، فقالت : ولماذا لم تستنزله عندك ؟ قال : لقد استحمق يعني : ارتكب حمقا قالت : وكيف هذا ؟ قال : إنه جاء يخطب ابنتي، قالت : عجبا أو لا تريد أن تزوج بناتك ؟ قال : بلى، قالت : فإذا كنت لا تزوجهن من سادات العرب، فمن تزوجهن ؟ يا أوس، اذهب فتدارك الأمر، قال : كيف وقد فرط مني ما فرط ؟ قالت : الحق به، وقل له : إنك جئتني وأنا مغضب من أمر لا دخل لك فيه، ولما راجعت نفسي جئتك معتذرا أطلب منك أن تعود، ولك عندي ما تحب.
فذهب الرجل، فلم يجد الركب، فشدّ على راحلته، حتى صار بينهما في الركب، فالتفت ابن سنان، وقال : يا ابن عوف، هذا أوس يلحق بنا، فقال : وماذا أصنع به امض، فناداه أوس : يا حارث : اربع٥ عليّ ساعة، يعني : انتظرني ولك عندي ما تحب، ففرح الحارث وعاد معه.
عاد أوس إلى بيته، وقال لامرأته : ادعى ابنتك الكبرى، فجاءت، فقال : يا بنية إن الحارث بن عوف سيد بني مرة جاء ليخطبك، فقالت : لا تفعل يا أبي، فقال : ولم ؟ قالت : إنني امرأة في وجهي ردّة يعني قبح يردّ من يراني وفي خلقي عهدة أي عيب وليس بابن عم لي فيرعى رحمي، ولا بجار لك في بلدك فيستحي منك، وأخاف أن يكره مني شيئا، فيطلقني فيكون عليّ فيه ما تعرف. فقال لها : قومي، بارك الله فيك.
ثم قال لامرأته : ادعى ابنتك الوسطى فجاءت، فقال لها ما قال لأختها، فقالت : لا تفعل يا أبي، قال : ولم ؟ قالت : أنا امرأة خرقاء يعني : لا تحسن عملا وليست لي صناعة، وأخاف أن يرى مني ما يكره فيطلقني، ويكون فيّ ما يكون. فقال لها : قومي بارك الله فيك، وادعى أختك الصغرى، وكانت هذه هي بهيثة التي نضرب بها المثل في هذا الموقف.
لما عرض عليها أبوها الأمر قالت : افعل ما ترى يا أبي، قال : يا بنيتي، لقد عرضته على أختيك فأبتاه، قالت : لكني أنا الجميلة وجها، الصناع يدا، الرفيعة خلقا، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه، فقال : بارك الله فيك. ثم قام إلى الحارث وقال : بورك لك يا حارث، فإني زوّجتك ابنتي بهيثة، فبارك الله لكما، قال : وأنا قبلت زواجها.
ثم قال لامرأته : هيئي ابنتك، واصنعي لها فسطاطا بفناء البيت، ولما صنع الفسطاط حملت إليه بهيثة، ودخل عليها الحارث، لكنه لم يلبث طويلا حتى خرج، فسأله ابن سنان : أفرغت من شأنك ؟ قال : لا والله، يا بن سنان، قال : ولم ؟ قال : جئت لأقترب منها. فقالت : أعند أبي وإخوتي ؟ والله لا يكون ذلك أبدا، فخرجت.
فقال : ما دامت لا ترضى وهي عند أبيها وإخوتها، فهيّا بنا نرحل، فأمر بالرحيل، وسار الركب بهم طويلا، ثم قال : يا بن سنان تقدم أنت يعني : أعطنا الفرصة فتقدم ابن سنان بالركب، وانحاز الحارث بزوجته إلى ناحية من الطريق ونصب خيمته، ثم دخل عليها فقالت له : ما شاء الله، أتفعل بي كما يفعل بالسبية الأخيذة، والأمة الجليبة ؟ والله لا

١ عن المغيرة بن شعبة قال: خطبت امرأة فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنظرت إليها؟ قلت: لا. قال: فأنظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما. أخرجه أحمد في مسنده (٤/٢٤٥، ٢٤٦٠)، والترمذي في سننه (١٠٨٧)، وابن ماجة في سننه (١٨٦٥) قال البوصيري في الزوائد: "إسناده صحيح ورجاله ثقات"..
٢ هذا طلقها قبل الدخول بها، أما إذا توفي الزوج قبل أن يدخل بها فعليها العدة ولكن عدة المتوفى عنها زوجها كما لو كان قد دخل بها، لقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا (٢٣٤) [البقرة]، وإنما وجبت العدة عليها وإن لم يدخل بها وفاء للزوج المتوفى ومراعاة لحقه" [فقه السنة ٢/٣٤٢]. وقال ابن قدامة في المغنى (٩/٧٨): "كل من توفى عنها زوجها، ولا حمل بها، قبل الدخول أو بعده، حرة أو أمة، فعدتها بالشهور"..
٣ العدة: مأخوذة من العدد والإحصاء، أي: ما تحصيه المرأة وتعده من الأيام والأقراء. وهي اسم للمدة التي تنتظر فيها المرأة وتمتنع عن التزويج بعد وفاة زوجها، أو فراقه لها. [فقه السنة ـ الشيخ سيد سابق ٢/٢٤١]..
٤ أخرجه مسلم في صحيحه (١٢١٨) كتاب الحج، وابن ماجة في سننه (٣٠٧٤)، وأبو داود في سننه (١٩٠٥) من حديث جابر بن عبد الله، في حديث طويل في حجة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي حجة الوداع..
٥ اربع على نفسك: كف وارفق. كذلك معناه: انتظر. فهو بمعنى التوفق والانتظار. [لسان العرب ـ مادة: ربع]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير