وسراجا منيرا يستضىء بك الضالون فى ظلمات الجهل والغواية، ويقتبس من نورك المهتدون، فيسلكون مناهج الرشد والسعادة.
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً) أي وراقب أحوال أمتك، وبشر المؤمنين بأن لهم فضلا كبيرا على سائر الأمم، فإنهم سيغيّرون نظم المجتمع من ظلم وجور إلى عدل وصلاح، ويدخلون الأمم المتعثّرة فى أثواب الضلال، فى زمرة الأمم التي عليها صلاح البشر فى مستأنف الزمان.
أخرج ابن جرير وعكرمة عن الحسن أنه قال: لما نزل قوله: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ» قالوا: يا رسول الله قد علمنا ما يفعل بك فماذا يفعل بنا؟
فأنزل الله: «وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً».
ولما أمره الله بما يسرّ نهاه عما يضر، فقال:
(وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) أي ولا تطع قول كافر ولا منافق فى أمر الدعوة، وألن الجانب فى التبليغ، وارفق فى الإنذار، واصفح عن أذاهم، واصبر على ما ينالك منهم، وفوّض أمورك إلى الله، وثق به فإنه كافيك جميع من دونك، حتى يأتيك أمره وقضاؤه، وهو حسبك فى جميع أمورك، وكالئك وراعيك.
[سورة الأحزاب (٣٣) : آية ٤٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلاً (٤٩)
تفسير المفردات
النكاح هنا: العقد، والمس معروف والمراد به قربان المرأة، ومن أدب القرآن الكريم التعبير عنه بالملامسة والمماسة، والقربان والتغشى والإتيان، والعدة: الشيء
المعدود، وعدّة المرأة: الأيام التي بانقضائها يحل بها التزوج، فمتعوهن: أي أعطوهن المتعة، وهى قميص وخمار (ما تغطى به المرأة رأسها) وملحفة (ما تلتحف به من قرنها إلى قدمها- ملاية) سرحوهن: أي أخرجوهن من منازلكم، سراحا جميلا: أي إخراجا مشتملا على ليّن الكلام خاليا من الأذى.
المعنى الجملي
أدب الله نبيه بمكارم الأخلاق بقوله: يا أيها النبي اتق الله، وثنى بتذكيره بحسن معاملة أزواجه بقوله: يا أيها النبي قل لأزواجك، وثلث بذكر معاملته لأمته بقوله:
يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا، وكان كلما ذكر للنبى مكرمة، وعلمه أدبا ذكر للمؤمنين ما يناسبه، فأرشد المؤمنين فيما يتعلق بجانبه تعالى بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً، وفيما يتعلق بما تحت أيديهم من الزوجات بقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ، وفيما يتعلق بمعاملتهم لنبيهم بقوله لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلخ، وقوله:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).
الإيضاح
أي يا أيها الذين آمنوا إذا عقدتم على المؤمنات وتزوجتموهن ثم طلقتموهن من قبل المسيس، فلا عدّة لكم عليهن بأيام يتربصن بها تستوفون عددها، ولكن اكسوهن كسوة تليق بحالهن إذا خرجن وانتقلن من بيت إلى آخر، ويختلف ذلك باختلاف البيئة والبلد الذي تعيش فيه المرأة، وأخرجوهن إخراجا جميلا، فهيئوا لهن من المركب والزاد وجميل المعاملة ما تقرّ به أعينهن ويسرّ به أهلوهن، ليكون فى ذلك بعض السلوة مما لحقهن من أذى بقطع العشرة التي كنّ ينتظرن دوامها، ومن الخروج من بيوت كن يرجون أن تكون هى المقام إلى أن يلاقين ربهن أو تموت عنهن بعولتهن.
روى البخاري عن سهل بن سعد وأبى أسيد رضى الله عنهما قالا: «إن رسول الله ﷺ تزوج أميمة بنت شراحيل، فلما أن دخلت عليه بسط يده إليها،
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي