ثم قال: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ.
قال/ قتادة: " حتى حين ": إلى الموت.
وقال السدي " إلى يوم بدر.
ثم قال: وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أي: انظروهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.
قوله (تعالى ذكره): أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ إلى آخر السورة.
أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي ﷺ، متى هذا الوعد.
ثم قال: فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ أي: نزل بهم العذاب.
والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب ويِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار.
وقوله: فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا.
قال السدي: " بساحتهم " بدارهم.
قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل. يعني (يوم) بدر.
وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة. فهو قوله: " فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين "، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف " فتول/ عنهم حتى حين " أي: إلى الوقت.
ثم قال: وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر. وقيل: بالموت. وقيل: في الآخرة.
[ثم قال: وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ أي: أنظروهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة].
ثم قال: سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، رَبِّ العزة أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم.
وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: رَبِّ العزة - والعزة صفة من صفات ذات تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: " رَبِّ الْعِزَّة " فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها.
فرب العزة معناه: خالق لعزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم.
قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله:
" رب العزة ": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله.
فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم.
قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي
(هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة. هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً.
قوله: وَسَلاَمٌ على المرسلين أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر.
روى قتادة أن النبي ﷺ قال: " إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ".
ثم قال: والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال: " مَنْ قَالَ: والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ على المرسلين فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى ".
يعني من الأجر الثواب.
وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.
الهداية إلى بلوغ النهاية
لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة ٤٣٧ هـ
المجلد العاشر
ص - الجاثية
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي