ﯡﯢﯣ

ثم فسّره بقوله : فواكِهُ : جمع فاكهة، وهي كل ما يتلذّذ به، فليس قوتهم لحفظ الصحة، بل رزقهم كله فواكه ؛ لأنهم مستغنون عن حفظ الصحة بالأقوات ؛ لأن أجسامهم نورانية مخلوقة للأبد، فما يأكلونه إنما هو للتلذُّذ. أو : معلوم، أي : منعوت بخصائص خلق عليها من طيب طعم، ورائحة، ولذّة، وحسن منظر، وهم مكرَمُون : معظَّمون. قال القشيري : من ذلك : ورود الرسُل عليهم من قِبَلِ الله عزّ وجل في كل وقت، وكذلك اليومَ الخطابُ وارد على قلوب الخواص في كل وقتٍ بكلِّ أمر. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : المخلَصين ـ بالفتح ـ أبلغ من المخلِصين ـ بالكسر ـ المخلَصين : أخلصهم الله واصطفاهم، والمخلِصين : طالبين الإخلاص، مجتهدين فيه، الأولون مجذوبون، والآخرون سالكون، الأولون محبوبون، والآخرون مُحبون، الأولون واصلون، والآخرون سائرون. قال القشيري : والإخلاص : إفرادُ الحقِّ ـ سبحانه ـ بالعبودية، فالذي يشوبُ عمله برياء ليس بمخلص. ويقال : الإخلاص : تصفية العمل، لا توفيقه، وفي الخبر :" يا معاذ، أخلص العملَ، يكفك القليل منه١ ". ويقال : الإخلاص : فقد رؤية الأشخاص. هـ.
أولئك لهم رزق معلوم للمخلَصين ـ بالفتح ـ رزق أرواحهم وأسرارهم، من النظر إلى وجه الحبيب في كل ساعة. وللمخلصين، رزق أشباحهم مما يشتهون. وقد يجتمع لهما، ويغلب لكل واحد ما كان الغالب على همته في الدنيا. وهم مكرمون بالتقريب والمشاهدة، على قدر سعيهم هنا، ويشربون كأس المحبة والاصطفاء على قدر شربهم هنا خمرة المعاني، وشرب المعاني على قدر الغيبة عن حس الأواني والزهد في بهجتها.
وقوله تعالى : فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون كان من تمام نعيمهم في الشرب : التحادث عليها بما يُناسب حالها، ومدحها، كما قال الشاعر :

وإذا جلست إلى المُدام وشُربه فاجعل حديثك كله في الكاس
كذلك العارف إذا جلس مجلس الفكرة، وغاب في الشهود والنظرة، لا يجول إلا في عظمة الذات، وأسرارها، وبهائها، وجمالها، لا يخطر على باله غيرها، فحديث روحه وسره كله في الخمرة الأزلية. هذه هي الفكرة الصافية، والنظرة الشافية، متعنا الله بها على الدوام. آمين.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير