قوله : لاَ فِيهَا غَوْلٌ صفة أيضاً١ وبطل عمل لا وتكررت لتقدم٢ خبرها، وتقدم٣ أول البقرة فائدة تقديم مثل هذا الخبر، والبحثُ مع أبي حيان فيه.
قال الفراء : العرب تقول ليس فيها غِيلَةٌ وغائلةٌ وغُول ( وغَوْل )٤ سواء٥، وقال أبو عبيدة : الغَوْلُ أن تغتال٦ عقولهم٧ وأنشد قول مطيع بن إياس :
٤١٩٨ - وَمَا زَالَتِ الْكَأسُ تَغْتَالُهُمْ. . . وَتَذْهَبُ بالأَوَّل فَالأّوَّلِ٨
وقال الليث : الغول الصداع والمعنى ليس فيها صداع كما في خمر الدنيا٩، وقال الواحدي : الغَوْل حقيقته الإهلاك، يقال : غَالَهُ غَوْلاً واغْتَالَهُ أهْلَكَهُ، والغَوْل والغَائلُ المهلك وسُمِّي ( وَطْءُ )١٠ المرضع غَوْلاً لأنه يؤدي إلى الهلاك، والغول كلُّ ما اغتالك أي أهلَكك، ومنه الغُولُ بالضم شيء تَوَهَّمَتْهُ العرب ولها فيه أشعار١١ كالعَنْقَاء١٢ يقال : غَالِني كذا ومنه الغِيلَة في العقل والرضاع قال :
٤١٩٩- مَضَى أَوَّلُونَا نَاعِمِينَ بِعَيْشِهِمْ. . . جَمِعياً وَغَالتنِي بِمَكَّةَ غُولُ١٣
فالغول اسم لجميع الأذى. وقال الكلبي : لا فيها إثمٌ١٤، وقال قتادة : وَجَعُ البطن١٥. وقال أهل المعاني : الغول فساد يلحق أمره في خفية، وخمر الدنيا يحصل فيها أنواع من الفساد منها السُّكْرُ وذَهَابُ العقل ووجع البطن والصُّدَاع والقيءُ والبَوْل ولا يوجد شيء من ذلك من خمر١٦ الجنة.
قوله : وَلاَ هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ قرأ الأخوان «ينزفون » هنا، وفي الواقعة١٧، بضم الياء وكسر الزاي. وافقهما عاصمٌ على ما في الواقعة فقط. والباقون بضم الياء وفتح الزاي١٨. وابن أبي إسحاق بالفتح والكسر١٩. وطلحة بالفتح والضم٢٠ فالقراءة الأولى من أَنْزَفَ الرَّجُلُ إذَا ذَهَبَ عَقْلُهُ من السكر فهو نَزِيفٌ وَمنزُوفٌ، وكان قياسه مُنِزْفٌ كمُكْرِم، ونَزَفَ الرجلُ الخمْرةَ فَأنْزَفَ هو ثُلاَثيُّهُ متعددٌ ورباعيه بالهمزة قاصر وهو نحو : كَبَبْتُهُ فأَكَبَّ وقَشعَت الريحُ السَّحابَ فَأَقْشَعَ أي دخلا في الكَبِّ والقَشْعِ٢١ وقال الأسود :
٤٢٠٠- لَعْمرِي لَئِنْ أَنْزَفْتُم أَوْ صَحَوْتُمُ. . . لَبْئِسَ النَّدَامَى أَنْتُمْ آلَ أَبْجَرَا٢٢
ويقال : أنزف أيضاً أي نَفِذَ٢٣ شَرَابُهُ. وأما الثانية فمن نزف أيضاً بالمعنى المتقدم وقيل هو من قولهم : نَزَفتِ الرَّكِيَّةُ أي نَزَحَتْ٢٤ ماءها. والمعنى أنهم لا تذهب خمورهم٢٥ بل هي باقية أبداً، وضمن يَنْزِفُونَ معنى يصدون عنها بسبب النَّزِيفِ.
وأما القراءتان الأخيرتان٢٦ فيقال : نَزِف الرجلُ ونَزُفَ بالكسر والضم بمعنى ذهب عقله بالسّكر،
٢ وهو: "فيها". ومعروف أن لا النافية للجنس تعمل إذا كان اسمها نكرة وكذلك الخبر إذا لم يتقدم خبرها على اسمها وإذا قصد بها النفي العام وأن لا يفصل بين لا والنكرة بشيء وأن لا تكون النكرة غير معمولة لغير لا..
٣ عند قوله: فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون الآية ٣٨ وبين هناك أن التقديم لتأكيد المعنى وتثبيته أول الأمر كما بين أن أناسا يجيزون إعمال لا والحالة هذه من هؤلاء الرماني فقد جوز النصب في قوله: "لا فيها غولا" وقد حكى: لا كذلك رجلا، ولا كزيد رجلا ولا كالعشية زائرا وأجيب بالتأويل. اللباب ١/٥٨..
٤ زيادة من المعاني..
٥ المعاني ٢/٣٨٥..
٦ كذا هي في المجاز وما في ب: يغتال..
٧ المجاز ٢/١٦٩..
٨ من المتقارب وانظر: البحر ٧/٣٥٠ والمجاز ٢/١٦٩ والقرطبي ١٥/٧٩ ومجمع البيان ٧/٦٩٠ وابن كثير ٤/٧ وفتح القدير ٤/٣٩٣ والرازي ٢٦/١٣٧ والطبري ٢٣/٣١ واللسان: "غ و ل" ٣٣١٩..
٩ اللسان "غ و ل" ٣٣١٧..
١٠ زيادة من أ..
١١ اللسان ٣٣١٩..
١٢ وهي طائر ضخم ليس بالعقاب. انظر: اللسان " ع ن ق" ٣١٣٦..
١٣ من الطويل ولم أعرف قائله وشاهده أن الغول العوائق أي عاقتني عوائق وانظر: البحر ٧/٣٥٠..
١٤ نقله القرطبي ١٥/٧٩..
١٥ السابق..
١٦ انظر: معالم التنزيل للبغوي ٦/٢٣..
١٧ الآية ١٩ منها، وهي: لا يصدعون عنها ولا ينزفون..
١٨ من القراءات المتواترة وانظر: حجة ابن خالويه ٣٠٢ والكشف ٢/٢٢٤ والسبعة ٥٤٧ والإتحاف ٣٦٩ والنشر ٢/٣٥٧ ومعاني الفراء ٢/٢٨٥..
١٩ نقلها صاحب البحر ٧/٣٦٠، والدر ٤/٥٤٩..
٢٠ المرجعان السابقان وانظر أيضا الكشاف ٣/٣٤٠..
٢١ السابق وانظر أيضا الكشف لمكي ٢/٢٢٤ ولسان العرب (نزف) ٤٣٩٧ و ٤٣٩٨..
٢٢ البيت مختلف في نسبته فقد نسب في المجاز ٢/١٦٩ إلى الأبيرد ونسبه القرطبي للحطيئة والسمين وأبو حيان إلى الأسود العنسي. وشاهده: استعمال (أنزف) رباعيا قاصرا وغير متعد. وانظر: القرطبي ١٥/٧٩ والبحر ٧/٣٥٠ والسمين ٤/٥٤٩، والمحتسب ٢/٣٠٨ والكشاف ٣/٣٤٠..
٢٣ في ب: فقد. وانظر: المعاني ٢/٣٨٥..
٢٤ الكشاف ٣/٣٤٠ والكشف ٢/٢٢٤ والركية: البئر تحفر؛ اللسان "ركا" ١٧٢٢ و ٤٣٩٧ "ن ز ف"..
٢٥ في ب: جمودهم. لحن وخطأ..
٢٦ وهي قراءة ينزفون بفتح الياء وكسر الزاي، وينزفون بالفتح والضم وانظر: الدر المصون ٤/٥٠٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود