قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [ سورة المائدة، الآية ٢ ].
وفيها ثلاث مسائل :
[ ٣٨ ] المسألة الأولى : في معنى القلائد :
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى – في قوله تعالى : ولا القلائد ، القلائد هاهنا إنما هي على ظاهرها قلائد الهدى التي لا يحل إحلالها١.
[ ٣٩ ] المسألة الثانية : في المنسوخ من الآية.
قال أبو محمد – رحمه الله – قوله تعالى : لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا قيل إنه نسخ منه ( القلائد ) فقط.
كما حدثنا أبو سعيد الجعفري٢، حدثنا محمد علي المقري٣، حدثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل٤ حدثنا أبو جعفر الطحاوي٥، حدثنا سلمة بن شبيب٦، حدثنا عبد الرزاق، حدثنا معمر، عن قتادة٧، وذكر هذه الآية، فقال منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج إلى الحج تقلد من السمر، فلا يعرض له أحد، وإذا رجع، تقلد قلادة شعر فلم يعرض له أحد، وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، وأمروا ألا يقاتلوا في الأشهر الحرم ولا عند البيت فنسخها قوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ٨. وهذا نص قول قتادة٩.
[ ٤٠ ] المسألة الثالثة : في الأمر في قوله تعالى وإذا حللتم فاصطادوا .
يرى الإمام ابن حزم – رحمه الله – أن الأمر في قوله وإذا حللتم فاصطادوا للإباحة، واستدل على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم حل بالطواف بالبيت، وانحدر إلى منى فعلمنا أنه ندب أو إباحة١٠.
٢ خلف مولى جعفر الفتى، المقرئ، يعرف بابن الجعفري، يكنى، أبا سعيد، سكن قرطبة، وأخذ عن شيوخها، ورحل إلى المشرق، فسمع من شيوخ مكة ومصر والقيروان، وكان من أهل القرآن والعلم، نبيلا من أهل الفهم، مائلا إلى الزهد والإنقباض، خيرا فاضلا، خرج عن قرطبة في الفتنة وقصد طرطوشة، وتوفي بها سنة ٤٢٥ هـ، وقيل ٤٢٩ هـ. انظر: ابن بشكوال، الصلة، (١/١٦٤)، الضبي، بغية الملمس، ص ٢٨٤..
٣ محمد بن علي محمد الأدفوي، المصري، أبو بكر، مفسر، مقرئ، نحوي، صحب أبا جعفر النحاس المصري، وأخذ عنه وأكثر، وروى كل تصانيفه، وأخذ عن غيره من أهل العلم والقرآن والحديث والعربية، وكان سيد أهل عصره في مصره، وغير مصره، وقرأ عليه الأجلاء، وصنف في التفسير كتبا مفيدة، منها كتاب الاستغناء، توفي سنة ٣٨٨ هـ. انظر: ابن خير الإشبيلي، فهرسته ص ٦٦، ٢٦٩، ٣٩٢، إبراهيم الحبال، وفيات المصريين (١/٣٧)، الذهبي، السير (١٧/٢٧)..
٤ أحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس، المصري، النحوي، صاحب التصانيف، سمع بمصر من جماعة منهم أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي، وارتحل إلى بغداد، وسمع من الزجاج، وروى عنه أبو بكر محمد بن علي الأدفوي تواليفه، من كتبه: إعراب القرآن، والناسخ والمنسوخ وغيرهما، توفي سنة ٣٣٨ هـ. انظر: الذهبي، السير (١٥/٤٠١)، ابن النجار، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد (٢١/٤٨)، ابن خلكان، وفيات الأعيان (١/٩٩)، ابن العماد، الشذرات (٢/٤٦)..
٥ أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن سلمة الأزدي الحجري، المصري، الطحاوي الحنفي، العلامة، الحافظ، صاحب التصانيف البديعة، قال ابن يونس: كان ثقة ثبتا فقيها عاقلا لم يخلف مثله، صنف في اختلاف العلماء، والشروط، وغيرها، توفي سنة ٣٢١ هـ. انظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان (١/١١)، الذهبي، تذكرة الحفاظ (٣/٨١٠)..
٦ سلمة بن شبيب المسمعي النيسابوري، نزيل مكة، ثقة، أخرج له مسلم وأصحاب السنن، روى عن عبد الرزاق والطيالسي، وجماعة، وعنه الإمام أحمد بن حنبل وهو من شيوخه وعدة، توفي سنة بضع وأربعين ومائتين. انظر: ابن حجر، التهذيب (٤/١٣٢)، التقريب ص ٤٠٠..
٧ عبد الرزاق ومعمر وقتادة، كلهم ثقات وقد تقدموا.
تخريج الأثر: أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (١/١٨٢)، والطبري في تفسيره (٩/٤٧٨) برقم (١٠٩٧٦ والنحاس في الناسخ والمنسوخ (٢/٢٣٥)، والجصاص في أحكام القرآن (٢/٣٧٩)، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ص ٣٠٠، وذكره السيوطي في الدر (٣/٨) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.
الحكم على الإسناد: صحيح..
٨ سورة التوبة: من الآية (٥)..
٩ المحلى (١٢/١٢٨)..
١٠ الإحكام ص ٣٧٩، ٤٤٩، ٥٠٥..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري