تفسير المفردات :
الحرم : جمع حرام وهو المحرم بالحج أو العمرة وشعائر الله : معالم دينه وغلب في مناسك الحج واحدها شعيرة والهدي ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام ليذبح هناك وهو من النسك والقلائد : واحدها قلادة وهو ما يعلق في العنق وكانوا يقلدون الإبل من الهدي : بنعل أو حبل أو لحاء شجر ليعرف فلا يتعرض له احد آمين : أي قاصدين وفضلا : أي ربحا في التجارة ورضوانا : أي رضا من الله يحول بينهم وبين عقوبته في الدنيا يجرمنكم : من جرمه الشيء أي حمله عليه وجعله يجرمه : أي يكسبه ويفعله وأصل الجرم قطع الثمرة من الشجرة والشنآن : البغض مطلقا أو الذي يصحبه التقزز من المبغوض.
الإيضاح
يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله شعائر الله ما أراد جعله أمارات تعلمون بها الهدي من الضلال كمناسك الحج وسائر فرائض دينه من حلال وحرام وحدود حدها لكم.
و المعنى : يأيها الذين آمنوا لا تجعلوا شعائر دين الله حلالا لكم تتصرفون فيها كما تشاؤون بل اعملوا بما بينه لكم ولا تتهاونوا بحرمتها وتحولوا بينها وبين المتنسكين بها وتصدوا الناس عن الحج في أشهر الحج.
ولا الشهر الحرام المراد به هنا ذو القعدة وذو الحجة والمحرم : أي ولا تحلوا الشهر الحرام بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين كما روي عن ابن عباس وقتادة.
ولا الهدي أي ولا تحلوا الهدي الذي يهدي إلى البيت الحرام من الأنعام للتوسعة على من هناك من عاكف وباد تقربا إلى الله وذلك بأن تمنعوا بلوغه محله من بيت الله بأخذه عصبا وذبحه أو سرقته أو حبسه عند من أخذه.
ولا القلائد ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدي وهي البدن وكأنه قال لا تحلوا الهدي مقلدا ولا غير مقلد وخص المقلد بالذكر لأنه أكرم الهدي وأشرفه.
ولا آمين البيت الحرام أي ولا تحلوا قتال قاصدي البيت الحرام لزيارته فتصدوهم عن ذلك بأي وجه كان.
يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا أي يطلبون ربحا في التجارة ورضا من الله يحول بينهم وبين عقوبته في الدنيا لئلا يحل بهم ما حل بغيرهم في عاجل دنياهم.
و هذا كلام مع المشركين كما روي عن قتادة أنه قال : هم المشركون يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم وفي رواية أخرى عنه : والرضوان الذي يبتغون أن يصلح لهم معايشهم في الدنيا وألا يعجل لهم العقوبة.
ثم صرح بما فهم من قوله : غير محلي الصيد وأنتم حرم فقال :
وإذا حللتك فاصطادوا أي وإذا خرجتم من إحرامكم بالحج أو العمرة أو من أرض الحرم فاصطادوا إن شئتم فإنما حرم عليكم الصيد في أرض الحرم وفي حال الإحرام فقط.
ولا يجر منكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا أي ولا يحملنكم بغض قوم وعداوتهم على ان تعتدوا عليهم لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام وقد كان المشركون صدوا المؤمنين عن العمرة عام الحديبية فنهى المؤمنون أن يعتدوا عليهم عام حجة الوداع وهو العام الذي نزلت فيه هذه السورة لأجل اعتدائهم السابق
و لما كان اعتداء قوم على قوم لا يحصل إلا بالتعاون قفى على النهي عن الاعتداء بقوله :
وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان البر : التوسع في فعل الخير والتقوى : اتقاء ما يضر صاحبه في دينه أو دنياه والإثم : كل ذنب ومعصية والعدوان : تجاوز حدود الشرع والعرف في المعاملة والخروج عن العدل فيها وفي الحديث :" البر حسن الخلق والإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس " رواه مسلم وأصحاب السنن وروى أحمد والدارمي عن وابصة بن معبد الجهني أنه قال : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" جئت تسأل عن البر والإثم ؟ " قلت : نعم وكان قد جاء لأجل ذلك فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بما في نفسه وأجابه فقال :" استفت قلبك البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وعن أفتاك الناس وأفتوك ".
والأمر بالتعاون على البر والتقوى من أركان الهداية الاجتماعية في القرآن إذ يوجب على الناس أن يعين بعضهم بعضا على كل ما ينفع الناس أفرادا وجماعات في دينهم ودنياهم وعلى كل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم.
و قد كان المسلمون في الصدر الأول يتعاونون على البر والتقوى بدون حاجة إلى ارتباط بعهد كما تفعله الجماعات اليوم فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيا لهم عن غيره ولكن لما نكثوا ذلك العهد صاروا في حاجة إلى تأليف هذه الجماعات لجمع طوائف المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب ( التعاون على البر والتقوى ).
و قلما ترى أحدا الآن يعينك على عمل من أعمال البر إلا إذا كان مرتبطا بعهد معك لغرض معين ومن ثم كان تأليف الجماعات مما يتوقف عليه أداء هذا الواجب غالبا.
واتقوا الله إن الله شديد العقاب أي واتقوا الله بالسير على سننه التي بينها لكم في كتابه وفي نظم خلقه حتى لا يصيبكم عقابه بالإعراض عن هدايته فهو شديد العقاب لمن لم يتقه باتباع شرعه ومراعاة سننه في خلقه إذ لا محاباة ولا هوادة في عقابه فهو لم يأمر بشيء إلا إذا كان نافعا ولم ينه عن شيء إلا إذا كان ضارا وكذلك بعدم مراعاة السنن لأن لذلك تأثيرا في خلق الإنسان وعقائده وأعماله وكل ذلك مما يوقعه في الغواية وينتهي به إلى سوء العاقبة.
و هذا العقاب يشمل عقاب الدنيا والآخرة كما جاء في بعض الآيات التصريح بذلك وفي بعضها التصريح بأحدهما كقوله في عذاب الأمم في الدنيا : وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ( هود : ١٠٢ ).
تفسير المراغي
المراغي