( ٤ ) شعائر الله : مناسك الله أو الأنعام التي تشعر أو تجرح نذرا لتقربها عند الكعبة لله، وكانت تسمى شعيرة، وجمعها : شعائر على ما شرحناه في سورة الحج.
( ٥ ) الهدي : بهيمة الأنعام التي تنذر للقربان عند الكعبة على اعتبارها هدية لله تعالى.
( ٦ ) القلائد : كناية عن بهيمة الأنعام التي يوضع في عنقها قلادة من جلد أو لحاء الشجر للإشارة إلى أنها منذورة للقربان لله. وقيل : إن الحجاج في الجاهلية كانوا يضعون في أعناقهم قلائد من جلد أو لحاء الشجر، فيأمنون بذلك من تعرض أحد لهم بسوء. وإن الكلمة تعني ذلك أيضا.
( ٧ ) آمّين البيت الحرام : الذين يقصدون البيت الحرام للحج.
( ٨ ) لا يجرمنكم : لا يحملنكم أو لا يدفعنكم.
( ٩ ) شنآن : عداء وبغضاء.
وفي الآية الثانية :
( ١ ) نهي للمسلمين عن خرق حرمة شعائر الله والشهر الحرام والهدي والقلائد التي تنذر قرابين لله.
( ٢ ) ونهي كذلك عن العدوان على قاصدي زيارة البيت الحرام الذين يطلبون بذلك رحمة الله وفضله.
( ٣ ) وتنبيه لهم بأنهم لا يجوز أن يحملهم بغضهم لقوم وحقدهم عليهم بسبب صدهم إياهم عن المسجد الحرام على البغي والعدوان.
( ٤ ) وأمر لهم بالتعاون والتضامن فيما فيه بر وتقوى ونهي عن التعاون على الإثم والعدوان.
وانتهت الآية بأمرهم بتقوى الله وتنبيههم إلى أن الله شديد العقاب تنبيها ينطوي فيه إنذار لمن يخرق حرماته، ويتجاوز أوامره ونواهيه وأحكامه.
ولقد تعددت الأقوال التي يرويها المفسرون عن أهل التأويل في معنى شعائر الله ، وفي معنى القلائد فما رووه عن معنى الأولى أنها حدود الله ونواهيه، أو أنها مناسك الحج وحرماته عامة. أو أنها الهدي المنذور للتضحية من الأنعام المشعر أي الذي يعلم بجرح لإسالة دمه حتى يحترمه الناس ولا يعتدوا عليه. ومما رووه عن معنى الثانية أنها الهدي المنذور للتضحية من الأنعام الذي يوضع في رقابه قلائد من الخيطان أو لحاء الشجر أو ورقه لمنع الاعتداء عليه، أو أنه الحجاج الذين كانوا يضعون مثل هذه القلائد في رقابهم ليمنعوا عن أنفسهم العدوان أو أن التعبير قد شملهم. وكل هذه المعاني واردة بالنسبة للكلمتين وإن كنا نرجح أنهما عنتا في الدرجة الأولى الأنعام المقلدة بالقلائد المشعرة بالدم بالإضافة إلى ما في الآيات من استحلال الهدي بصورة عامة ؛ لأن في الآية نهيا عن العدوان على الحجاج والتعاون على الإثم والعدوان وعدم إحلال الشهر الحرم. وفي الآية الأولى أمر بالوفاء بالعهود، وكل هذا يمكن أن يدخل في معنى حدود أوامر الله ونواهيه ومناسك الحج أيضا. والله تعالى أعلم.
تعليق على الآيتين الأوليين من السورة
ودلالات عباراتهما وما فيهما من أحكام وتلقين وصور
لم ير المفسرون مناسبة لنزول الآية الأولى. وقد تعددت أقوالهم في دلالات عباراتها.
فأولا : روى الطبري عن ابن عباس أن العقود التي أمرت الفقرة الأولى منها هي عقود الله التي أوجبها على المسلمين فيما أحل وحرم وفرض وبين من حدود.
وروى عن قتادة أنها عقود المحالفات في الجاهلية، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول : أوفوا بعقد الجاهلية، ولا تحدثوا عقدا في الإسلام. وروى لتأييد ذلك أن فرات بن حيان العجلي سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن حلف الجاهلية فقال له : لعلك تسأل عن حلف لخم وتيم الله. قال : نعم. قال : لا يزيده الإسلام إلا شدة. وروى عن ابن زيد أن العقود المأمور بالوفاء بها في الآية هي عقد النكاح وعقد الشركة وعقد اليمين وعقد العهد وعقد الحلف. وروى قولا لآخرين لم يسمهم أنها أمر موجه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به الله عليهم من ميثاق بالعمل بما في التوراة والإنجيل من تصديق النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
وما عدا القول الأخير الذي يبدو غريبا ؛ لأن الخطاب في الآية موجه إلى المسلمين، فإن الأقوال الأولى مما تتحمله العبارة القرآنية. وقد قال الطبري : إن أولى الأقوال بالصواب هو قول ابن عباس.
ولم تخرج أقوال المفسرين عن نطاق ما أورده الطبري الذي استوعب جميع الأقوال في صدد الجملة.
على أنه يتبادر لنا على ضوء الآية الثانية على ما سوف نشرحه بعد أنها في صدد الأمر باحترام عقد صلح الحديبية.
وإن كان إطلاق العبارة يجعلها شاملة لكل عقد مشروع بين الناس، ثم لكل ما صار بمثابة عقد بين الله والمسلمين بعد إذ آمنوا برسالة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وما نزل عليه.
وواضح أن الجملة بذلك قد انطوت على تلقين جليل مستمر المدى بوجوب احترام المسلمين لعقودهم وعهودهم مع الله ومع الناس في كل ظرف وعدم الإخلال بها في أي حال. وهو ما تكرر تقريره بأساليب متنوعة وفي سور عديدة مكية ومدنية بحيث يصح أن يقال : إنها من أهم المبادئ القرآنية المحكمة ( ١ )١.
وقد قيدنا العقد بقيد المشروع ؛ لأن كل شرط أو قيد في أي تعاقد بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم مخالف لأوامر الله تعالى ونواهيه في القرآن وسنة رسوله باطل. وهذا أمر لا يحتمل شكا في ذاته. وقد رويت أحاديث نبوية تؤيده جاء في أحدها ( الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، والمسلمون على شروطهم ) ( ١ )٢وجاء في حديث آخر عن عائشة :( أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله ؟ ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق ) ( ٢ )٣.
وثانيا : روى الطبري عن قتادة أن جملة أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ هي لتحليل أكل لحوم الأنعام إطلاقا، عدا ما ذكر في القرآن من حالاتها المحرمة. وهذه الحالات هي ما ذكرته الجملة التي بعدها غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ أو ما ذكرته الآية الثالثة من السورة على اختلاف الأقوال. وروى كذلك عن ابن عمر وابن عباس أنها لتحليل أكل الأجنة التي توجد ميتة في بطون ما يذبح من الأنعام. وروى أيضا عن الربيع بن أنس ما يفيد أن عبارة بهيمة الأنعام تشمل بالإضافة إلى الإبل والبقر والغنم بقر الوحش والظباء وأشباهها المماثلة للأنعام، وأن الجملة تعني حل أكل هذه البهائم. وقد عقب على هذه الأقوال قائلا : إن أولاها بالصواب هو أنها في صدد تحليل الأنعام الأليفة أي الإبل والبقر والغنم كلها أجنتها وسخالها وكيارها، عدا ما ذكر في القرآن من حالاتها المحرمة. وأنكر أن تكون بقر الوحش والظباء التي تصطاد صيدا من جملتها.
وقد ذكر البغوي رواية تذكر أنها في صدد تحليل الأجنة، وأورد حديثا عن أبي سعيد بسبيل تأييد ذلك جاء فيه ( قلنا يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة فنجد في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله ؟ قال : كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه ) ( ١ )٤. وإلى هذا روي عن قتادة والحسن أن المقصود من الجملة هو تحليل ما حرم أهل الجاهلية على أنفسهم، والمراد من ذلك على الأغلب ما حكي عن تقاليد العرب من تحليل وتحريم في آيات سورة البقرة ( ١٧٣ ) والأنعام ( ١١٨ و ١١٩ و١٨٣ و١٣٩ ) والنحل ( ١١٤ – ١١٦ ) والحج ( ٣٠ ) على ما شرحناه في سياقها وقد أورد البغوي إلى هذا قولا معزوا إلى الكلبي يفيد أن تعبير بهيمة الأنعام يشمل وحشها، وهي الظباء وبقر الوحوش وحمر الوحش.
وليس في كتب التفسير الأخرى زيادة على ذلك. والذي يتبادر لنا على ضوء الجملة التي بعدها وهي : غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ أن مقصد الجملة أو من مقاصدها رفع الحرج عن المسلمين في ذبح الأنعام وأكلها وهم في حالة الحرم باستثناء ما ذكر من حالاتها في القرآن ؛ لأن تحليل أكل الأنعام مطلقا قد ورد في آيات سابقة مكية ومدنية عديدة. وفي أحدها ورد ذلك بعبارة مثل العبارة التي وردت هنا وهي : ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ( ٣٠ ) ( سورة الحج : ٣٠ ). ولا تبدو حكمة في ذكر ذلك بالمعنى الذي صرفوه إليه في هذا المقام. كما أن صرف العبارة إلى الأجنة بعدا وتكلفا. وهذا لا ينافي الخبر الذي احتواه حديث أبي سعيد، وهو أنه أو غيره سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن أكل الأجنة الميتة. والحديث لم يرد ولم يورد في أصله لتفسير العبارة.
ويتبادر لنا من فحوى أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ أن القول المروي عن الربيع بن أنس والكلبي بشمول كلمة بهيمة الأنعام للوحش المماثل لها في محله، وأن الذي منع هو صيدها في حالة الحرم وحسب. والله أعلم.
ثالثا : لقد أول الطبري وغيره جملة : وأنتم حرم بحالة الإحرام للحج أو العمرة. وجملة غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ بأنها للتحذير من استحلال الصيد في الحالة المذكورة، وقد أوضح بعضهم هذه الحالة إيضاحا متسقا مع الأحكام الإسلامية أيضا. وهي تسربل الرجال بالملابس والأزر غير المخيطة قبيل دخول حدود الحرم المكي، وقبيل الوقوف في عرفات، وفي أثناء زيارة الكعبة لأول مرة والوقوف في عرفات، وامتناعهم عن الحلاقة وتقصير الشعر والتزين والتطيب ومباشرة النساء على ما شرحناه من سياق تفسير آيات البقرة ( ١٩٦ – ٢٠٣ ). وبعضهم ( ١ )٥زاد على ذلك فقال : إن حالة الحرم تعني أيضا الوجود في داخل منطقة الحرم ( ٢ )٦.
والقول الأول يعني أن الصيد يحل للمسلم حينما يتحلل من إحرامه خلال أشهر الحج ويتمتع بين العمرة والحج، ولو كان في منطقة الحرم، والقول الثاني يعني أن الصيد لا يحل قط داخل منطقة الحرم سواء أكان المسلم محرما متسربلا بثياب الإحرام أو متحللا متمتعا. وإنما يحل خارج هذه المنطقة، ولو كان ذلك خلال أشهر الحج.
وهذا وذاك مما قال به الفقهاء في سياق تقرير وبيان أحكام الحج ومناسكه استنادا إلى الآثار المروية. والقول الثاني مستلهم من حرمة القتال في منطقة المسجد الحرام المستفادة من آية البقرة ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه......... وتبعا لها كما هو المتبادر.
وهناك حالة ثالثة يمكن أن ينطبق عليها ( حالة الحرم ) وهي ظرف الأشهر الحرم استلهاما من الآيات التي تحرم القتال في الشهر الحرام على ما شرحناه في سياق سورة البقرة، أو تبعا لها كما هو المتبادر. والروايات القديمة تفيد أن حرمة الأشهر الحرم كانت قبل الإسلام شاملة لجميع بلاد العرب وغير قاصرة على الحرم المكي وحجاجه على ما شرحناه في سياق سورة البقرة، وأن الصيد كان محرما أثناءها سواء أكان ذلك داخل منطقة الحرم أم خارجها. وهذه الحالة تجعل الصيد محرما طيلة الأشهر الحرم، سواء أكان في منطقة الحرم أم خارجها.
ولقد روى البخاري والنسائي عن أبي قتادة :( أنه أصاب حمارا وحشيا وهو حلال، فأتى به أصحابه وهم محرمون فأكلوا منه فقال بعضهم : لو سألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنه فسألناه فقال : قد أحسنتم هل معكم منه شيء ؟ قلنا : نعم. ق
٢ انظر تفسير الآية في المنار. والحديث الأول من مرويات أبي داود والدارقطني والترمذي والثاني من مرويات أصحاب المساند الصحيحة الخمسة. انظر التاج ج ٢ ص ١٨٥ وورود جملة (الولاء لمن أعتق) في الحديث الثاني بسبب مناسبة الحديث، ولكن تلقين الحديث عام شامل كما هو واضح..
٣ المصدر نفسه..
٤ الذكاة: والتذكية في أصلها إتمام الاشتعال ثم صارت اصطلاحا إسلاميا يطلق على ذبح بهيمة الأنعام للأكل وذكر اسم الله عليها حين ذبحها، وهذا الحديث من مرويات أبي داود وأحمد والترمذي انظر التاج ج ٣ ص ٩٥..
٥ انظر الخازن..
٦ خصصنا الرجال بالذكر لأن السنة سمحت للنساء باللباس العادي. فقد روى أصحاب السنن حديثا عن ابن عمر قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب وما مس الورس والزعفران من الثياب ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب معصفرا أو خزا أو حليا أو سراويل أو قميصا أو خفا) (التاج ج ٢ ص ١٠٦) أما في صدد إحرام الرجال فقد روى الخمسة عن ابن عمر أيضا: (أن رجلا قال: يا رسول الله ما يلبس المحرم من الثياب. قال: لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أن لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين) (المصدر نفسه ص ١٠٥) وروى أصحاب السنن عن أبان بن عثمان قال: (سمعت أبي يقول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا ينكح المحرم ولا يخطب) ص ١٠٨..
التفسير الحديث
دروزة