سورة المائدة
هذه السورة تسمى سورة المائدة وسورة العقود وسورة المنقذة، وهى مدنية بناء على المشهور من أن المدني ما نزل بعد الهجرة ولو فى مكة، وقد روى فى الصحيحين عن عمر:
أن قوله تعالى «اليوم أكملت لكم دينكم إلخ نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع».
وآياتها مائة وعشرون فى العدّ الكوفي، ومائة وثنتان وعشرون فى العد الحجازي، ومائة وثلاث وعشرون فى العدّ البصري ووجه التناسب بينها وبين ما قبلها من وجوه:
١) إن سورة النساء اشتملت على عدّة عقود صريحا وضمنا، فالصريح عقود الأنكحة والصداق والحلف والمعاهدة والأمان، والضمنى عقود الوصية والوديعة والوكالة والإجارة.
٢) إن سورة النساء مهدت لتحريم الخمر، وسورة المائدة حرّمتها البتة فكانت متممة لشىء مما قبلها.
٣) إن معظم سورة المائدة فى محاجة اليهود والنصارى مع ذكر شىء عن المنافقين والمشركين، وقد تكرر ذكر ذلك فى سورة النساء وأطيل به فى آخرها.
ووجه تقديم النساء وتأخير المائدة أن الأولى بدئت بيا أيها الناس وفيها الخطاب بذلك فى مواضع، وهذا أشبه بالتنزيل المكي، والثانية بيا أيها الذين آمنوا وفيها الخطاب بذلك فى مواضع، وهذا أشبه بالتنزيل المدني المتأخر عن الأول.
[سورة المائدة (٥) : الآيات ١ الى ٢]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلاَّ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢) صفحة رقم 41
تفسير المفردات
الوفاء والإيفاء: الإتيان بالشيء وافيا لا نقص فيه، قال تعالى: «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ» والعقود واحدها عقد، وهو فى الأصل ضد الحلّ ثم أطلق على الجمع بين أطراف الشيء وربط بعضها ببعض، ويستعمل فى الأجسام الصّلبة كعقد الحبل وعقد البناء، ويقال عقد اليمين وعقد النكاح: أي أبرمه كما قال تعالى «وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمانُكُمْ» والبهيمة: ما لا نطق له، لما فى صوته من الإبهام، وخص فى العرف بما عدا السباع والطير، والأنعام: البقر والإبل والغنم. الحرم: جمع حرام، وهو المحرم بالحج أو العمرة، وشعائر الله معالم دينه، وغلب فى مناسك الحج واحدها شعيرة، والهدى ما يهدى إلى الكعبة من الأنعام ليذبح هناك، وهو من النسك، والقلائد: واحدها قلادة وهو ما يعلق فى العنق، وكانوا يقلدون الإبل من الهدى بنعل أو حبل أو لحا شجر ليعرف فلا يتعرض له أحد، آمّين: أي قاصدين، وفضلا: أي ربحا فى التجارة ورضوانا: أي رضا من الله يحول بينهم وبين عقوبته فى الدنيا، يجرمنكم: من جرمه الشيء أي حمله عليه وجعله يجرمه: أي يكسبه ويفعله، وأصل الجرم قطع النمرة من الشجرة، والشنآن: البغض مطلقا، أو الذي يصحبه التقزّز من المبغوض.
الإيضاح
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) روى عن ابن عباس: أن المراد بالعقود عهود الله التي عهد بها إلى عباده: أي ما أحلّ وما حرم، وما فرض وما حدّ فى القرآن كله، لا غدر فيها ولا نكث، وقال الراغب: العقود ثلاثة أضرب: عقد بين الله وبين العبد، وعقد بين العبد ونفسه، وعقد بينه وبين غيره من البشر.
وكل واحد منها إما أن يوجبه العقل الذي أودعه الله فى الإنسان ويتوصل إليه بديهة العقل أو بأدنى نظر ويدل على ذلك قوله تعالى: «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا بَلى» وإما أن يوجبه الشرع وهو ما دلنا عليه كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
وأساس العقود فى الإسلام هو هذه الجملة (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) أي إنه يجب على كل مؤمن أن يفى بما عقده وارتبط به من قول أو فعل كما أمر الله ما لم يحرّم حلالا أو يحلل حراما كالعقد على أكل شىء من أموال الناس بالباطل كالربا والميسر (القمار) والرّشوة ونحو ذلك.
ثم شرع يفصل الأحكام التي أمر بالإيفاء بها وبدأ بما يتعلق بضروريات معايشهم فقال:
(أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ إِلَّا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ) أي أحل الله لكم أكل البهيمة من الأنعام وهى الأزواج الثمانية المذكورة فى سورة الأنعام، وألحق بها الظباء وبقر الوحش ونحوهما، إلا ما حرم فيما سيتلى عليكم فى الآية السالفة من هذه السورة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ) إلخ.
(غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) أي أحلت لكم بهيمة الأنعام حال كونكم غير محلى الصيد الذي حرمه الله عليكم: أي لا تجعلوه حلالا باصطياده أو الأكل منه وأنتم محرمون بالحج أو العمرة أو كليهما أو داخلون فى أرض الحرم، فلا يحل الصيد لمن كان
فى أرض الحرم ولو لم يكن محرما ولا للمحرم بالحج أو العمرة وإن كان فى خارج حدود الحرم بأن نوى الدخول فى هذا النسك وبدأ بأعماله كالتّلبية ولبس المخيط.
والخلاصة- أحلّت لكم هذه الأشياء غير محلى الاصطياد ولا أكل الصيد فى الإحرام.
(إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ) الحكم القضاء: أي إن الله جل ثناؤه يقضى فى خلقه ما يشاء من تحليل ما أراد تحليله وتحريم ما أراد تحريمه كما شاء بحسب الحكم والمصالح التي يعلمها سبحانه، فأوفوا بعقوده وعهوده ولا تنكثوها ولا تنقضوها.
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ) شعائر الله ما أراد جعله أمارات تعلمون بها الهدى من الضلال كمناسك الحج وسائر فرائض دينه من حلال وحرام وحدود حدّها لكم.
والمعنى- يا أيها الذين آمنوا لا تجعلوا شعائر دين الله حلالا لكم تتصرفون فيها كما تشاءون بل اعملوا بما بيّنه لكم، ولا تتهاونوا بحرمتها وتحولوا بينها وبين المتنسكين بها وتصدوا الناس عن الحج فى أشهر الحج.
(وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ) المراد به هنا ذو القعدة وذو الحجة والمحرم: أي ولا تحلوا الشهر الحرام بأن تقاتلوا فيه أعداءكم من المشركين كما روى عن ابن عباس وقتادة.
(وَلَا الْهَدْيَ) أي ولا تحلوا الهدى الذي يهدى إلى البيت الحرام من الأنعام للتوسعة على من هناك من عاكف وباد تقربا إلى الله، وذلك بأن تمنعوا بلوغه محله من بيت الله بأخذه غصبا وذبحه أو سرقته أو حبسه عند من أخذه.
(وَلَا الْقَلائِدَ) ولا تحلوا ذوات القلائد من الهدى وهى البدن، وكأنه قال لا تحلوا الهدى مقلّدا ولا غير مقلد، وخص المقلد بالذكر لأنه أكرم الهدى وأشرفه.
(وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ) أي ولا تحلوا قتال قاصدى البيت الحرام لزيارته، فتصدوهم عن ذلك بأيّ وجه كان.
(يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً) أي يطلبون ربحا فى التجارة ورضا من الله يحول بينهم وبين عقوبته فى الدنيا، لئلا يحل بهم ما حل بغيرهم فى عاجل دنياهم.
وهذا كلام مع المشركين، كما روى عن قتادة أنه قال: هم المشركون يلتمسون فضل الله ورضوانه فيما يصلح لهم دنياهم، وفى رواية أخرى عنه: والرضوان الذي يبتغون أن يصلح لهم معايشهم فى الدنيا وألا يعجّل لهم العقوبة.
ثم صرح بما فهم من قوله: غير محلى الصيد وأنتم حرم فقال:
(وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا) أي وإذا خرجتم من إحرامكم بالحج أو العمرة أو من أرض الحرم فاصطادوا إن شئتم، فإنما حرم عليكم الصيد فى أرض الحرم وفى حال الإحرام فقط.
(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا) أي ولا يحملنّكم بغض قوم وعداوتهم على أن تعتدوا عليهم، لأنهم صدوكم عن المسجد الحرام، وقد كان المشركون صدّوا المؤمنين عن العمرة عام الحديبية، فنهى المؤمنون أن يعتدوا عليهم عام حجة الوداع وهو العام الذي نزلت فيه هذه السورة لأجل اعتدائهم السابق.
ولما كان اعتداء قوم على قوم لا يحصل إلا بالتعاون قفّى على النهى عن الاعتداء بقوله:
(وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ) البر: التوسع فى فعل الخير، والتقوى: اتقاء ما يضر صاحبه فى دينه أو دنياه، والإثم كل ذنب ومعصية، والعدوان: تجاوز حدود الشرع والعرف فى المعاملة والخروج عن العدل فيها،
وفى الحديث «البر حسن الخلق، والإثم ما حاك فى النفس وكرهت أن يطّلع عليه الناس» رواه مسلم وأصحاب السنن
وروى أحمد والدارمي عن وابصة بن معبد الجهني أنه قال: «أتيت رسول الله ﷺ فقال: جئت تسأل عن البر والإثم؟ قلت نعم» وكان قد جاء لأجل ذلك، فأخبره النبي ﷺ بما فى نفسه وأجابه فقال:
«استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما حاك فى النفس وتردّد فى الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك».
والأمر بالتعاون على البر والتقوى من أركان الهداية الاجتماعية فى القرآن، إذ يوجب على الناس أن يعين بعضهم بعضا على كل ما ينفع الناس أفرادا وجماعات فى دينهم ودنياهم وعلى كل عمل من أعمال التقوى التي يدفعون بها المفاسد والمضار عن أنفسهم.
وقد كان المسلمون فى الصدر الأول يتعاونون على البر والتقوى بدون حاجة إلى ارتباط بعهد كما تفعله الجماعات اليوم، فإن عهد الله وميثاقه كان مغنيا لهم عن غيره، ولكن لما نكثوا ذلك العهد صاروا فى حاجة إلى تأليف هذه الجماعات لجمع طوائف المسلمين وحملهم على إقامة هذا الواجب (التعاون على البر والتقوى).
وقلما ترى أحدا الآن يعينك على عمل من أعمال البر إلا إذا كان مرتبطا بعهد معك لغرض معين ومن ثم كان تأليف الجماعات مما يتوقف عليه أداء هذا الواجب غالبا.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) أي واتقوا الله بالسير على سننه التي بينها لكم فى كتابه وفى نظم خلقه، حتى لا يصيبكم عقابه بالإعراض عن هدايته، فهو شديد العقاب لمن لم يتقه باتباع شرعه ومراعاة سننه فى خلقه، إذ لا محاباة ولا هوادة فى عقابه، فهو لم يأمر بشىء إلا إذا كان نافعا ولم ينه عن شىء إلا إذا كان ضارا، وكذلك بعدم مراعاة السنن، لأن لذلك تأثيرا فى خلق الإنسان وعقائده وأعماله وكل ذلك مما يوقعه فى الغواية وينتهى به إلى سوء العاقبة.
وهذا العقاب يشمل عقاب الدنيا والآخرة كما جاء فى بعض الآيات التصريح بذلك، وفى بعضها التصريح بأحدهما كقوله فى عذاب الأمم فى الدنيا «وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ».
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي