قال انس فحدث رسول الله بمقالتهم فارسل الى الأنصار فجمعهم فى قبة من آدم ولم يدع معهم أحدا من غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله فقال (ما حديث بلغني عنكم) فقال الأنصار اما ذووا رأينا فلم يقولوا شيأ واما أناس حديثة أسنانهم فقالوا كذا وكذا للذى قالوا فقال النبي ﷺ (انما اعطى رجالا حديثى عهد بكفر فاؤلفهم) او قال (استألفهم أفلا ترضون ان يذهب الناس بالأموال وترجعوا برسول الله الى رحالكم فو الله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به) قالوا أجل يا رسول الله قد رضينا فالنبى عليه السلام أزال ما أوقع الشيطان فى نفوسهم بهذا اللطائف فلو كان قسم التركات اليه لكان للشيطان مجال الى آخر الدنيا فى ان يوقع الشر فى نفوس الامة ولم يمكن إزالته من النفوس لتعذر الوصول الى الخلق كلهم فى حال الحياة وبعد الوفاة فتولى الله ذلك لانه بكل شىء عليم ولعباده غفور رحيم
| برو علم يك ذره پوشيده نيست | كه پنهان و پيدا بنزدش يكيست |
| فرو ماندكانرا برحمت قريب | تضرع كنانرا بدعوت مجيب |
تفسير سورة المائدة
وهى مائة وعشرون آية كلها مدينة الا الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ الآية فانها نزلت بعرفة عام حجة الوداع
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الوفاء هو القيام بمقتضى العهد وكذلك الإيفاء يقال وفى بالعهد وفاء واوفى به إيفاء إذا اتى ما عهد به ولم يغدر والنقل الى باب افعل لا يفيد سوى المبالغة والعقد هو العهد الموثق المشبه بعقد الحبل ونحوه والمراد بالعقود ما يعم جميع ما الزمه الله تعالى عباده وعقده عليهم من التكاليف والاحكام الدينية وما يعقدونه فيما بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها مما يجب الوفاء به او يحسن دينا ان حملنا الأمر على معنى يعم الوجوب والندب. واحتج ابو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على ان من نذر صوم يوم العيد او ذبح الولد يجب عليه ان يصوم يوما يحل فيه الصوم ويذبح ما يحل ان يتقرب بذبحه لانه عهد والزم نفسه ذلك فوجب عليه الوفاء بما صح الوفاء به. واحتج بها ايضا على حرمة الجمع بين الطلقات لان النكاح من العقود فوجب ان يحرم رفعه لقوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وقد ترك العمل بعمومه فى حق الطلقة الواحدة بالإجماع فبقى فيما عداها على الأصل وفى الحديث (ما ظهر الغلول فى قوم الا القى الله فى قلوبهم الرعب ولا فشا الزنى فى قوم الأكثر فيهم صفحة رقم 336
الموت ولا نقص قوم المكيال والميزان الا قطع عنهم الرزق ولا حكم قوم بغير حق إلا فشا فيهم الدم ولاختر قوم بالعهد الا سلط الله عليهم العدو)
| هر كه او نيك ميكند يابد | نيك وبد هر چهـ ميكند يابد |
النفس إذا كانت موصوفة بصفة البهيمة ترفع فى مراتع الحيوان السفلية ويحكم بترك ذبحها ويخاطبها بالرجوع الى حضرة الربوبية عند اطمئنانها صفحة رقم 337
مع ذكر الحق واتصافها بالصفات الملكية العلوية ما يُرِيدُ كما يريد كذا فى التأويلات النجمية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ نزلت فى الخطيم واسمه شريح بن ضبيعة البكري اتى المدينة من اليمامة وخلف خيله خارج المدينة ودخل وحده على النبي ﷺ فقال له الى ما تدعو الناس فقال (الى شهادة ان لا اله الا الله واقام الصلاة وإيتاء الزكاة) فقال حسن ألا ان لى أمراء لا اقطع امرا دونهم لعلى اسلم وآتى بهم وقد كان النبي عليه السلام قال لاصحابه (يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان شيطان) ثم خرج شريح من عنده فقال عليه السلام (لقد دخل بوجه كافر وخرج بقفا غادر وما الرجل بمسلم) فمر بسرح المدينة فاستاقه فانطلق فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام المقبل خرج حاجا فى حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلدوا الهدى فقال المسلمون للنبى عليه السلام هذا الخطيم قد خرج حاجا فخل بيننا وبينه فقال النبي عليه السلام (انه قد قلد الهدى) فقالوا يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله فى الجاهلية فابى النبي عليه السلام فانزل الله هذه الآية وكان المشركون يحجون ويهدون فاراد المسلمون ان يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. والشعائر جمع شعيرة وهى اسم لما أشعر اى جعل شعائر اى علما للنسك من مواقف الحج ومرامى الجمار والمطاف والمسعى والافعال التي هى علامات الحاج يعرف بها من الإحرام والطواف والسعى والحلق والنحر والمعنى لا تتهاونوا بحرمتها ولا تقطعوا اعمال من يحج بيت الله ويعظم مواقف الحج وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ اى ولا تستحلوا القتل والغارة فى الشهر الحرام وهو شهر الحج والأشهر الاربعة الحرم وهى ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب والافراد لارادة الجنس وَلَا الْهَدْيَ بان يتعرض له بالغصب او بالمنع من بلوغ محله وهو ما اهدى الى الكعبة من ابل او بقر او شاة تقربا الى الله تعالى جمع هدية وَلَا الْقَلائِدَ اى ذوات القلائد من الهدى بتقدير المضاف وعطفها على الهدى للاختصاص فانها اشرف الهدى اى ولا تحلوا ذوات القلائد منها خصوصا وهى جمع قلادة وهى ما يشد على عنق البعير وغيره من نعل او لحاء شجرة او غيرهما ليعلم به انه هدى فلا يتعرض له وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ اى ولا تحلوا قوما قاصدين زيارة الكعبة بان تصدوهم عن ذلك بأى وجه كان يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً حال من المستكن فى آمين اى قاصدين زيارته حال كونهم طالبين الرزق بالتجارة والرضوان اى على زعمهم لان الكافر لا نصيب له فى الرضوان اى رضى الله تعالى ما لم يسلم. قال فى الإرشاد انهم كانوا يزعمون انهم على سداد من دينهم وان الحج يقربهم الى الله تعالى فوصفهم الله بظنهم وذلك الظن الفاسد وان كان بمعزل من استتباع رضوانه تعالى لكن لا بعد فى كونه مدارا لحصول بعض مقاصدهم الدنيوية وخلاصهم من المكاره العاجلة لا سيما فى ضمن مراعاة حقوق الله تعالى وتعظيم شعائره انتهى. وهذه الآية الى هاهنا منسوخة بقوله تعالى فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وبقوله فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا فلا يجوز ان يحج مشرك ولا يأمن كافر بالهدى والقلائد. قال الشعبي لم ينسخ من سورة المائدة الا هذه الآية وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا تصريح بما أشير اليه
صفحة رقم 338
بقوله تعالى وَأَنْتُمْ حُرُمٌ من انتهاء حرمة الصيد بانتفاء موجبها والأمر للاباحه بعد الحظر كأنه قيل وإذا حللتم من الإحرام فلا جناح عليكم فى الاصطياد وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ يقال جرمنى فلان على ان صنعت كذا اى حملنى والمعنى لا يحملنكم شَنَآنُ قَوْمٍ اى شدة بغضهم وعداوتهم وهو مصدر شنئت أضيف الى المفعول او الفاعل فالمعنى على الاول بغضكم لبعض فحذف الفاعل وعلى الثاني بغض قوم إياكم فحذف المفعول أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ اى لان منعوكم عن زيارته والطواف به للعمرة عام الحديبية أَنْ تَعْتَدُوا ثانى مفعولى يجرمنكم اى لا يحملنكم شدة بغضكم لهم لصدهم إياكم عن المسجد الحرام على اعتدائكم عليهم وانتقامكم منهم للتشفى وَتَعاوَنُوا اى ليعن بعضكم بعضا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى اى على العفو والإغضاء ومتابعة الأمر ومجانبة الهوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ اى لا
يعن بعضكم بعضا على شىء من المعاصي والظلم للتشفى والانتقام وليس للناس اى يعين بعضهم بعضا على العدوان حتى إذا تعدى واحد منهم على الآخر تعدى ذلك الآخر عليه لكن الواجب ان يعين بعضهم بعضا على ما فيه البر والتقوى. واصل لا تعاونوا لا تتعاونوا فحذف منه احدى التاءين تخفيفا وانما اخر النهى عن الأمر مع تقدم التخلية مسارعة الى إيجاب ما هو مقصود بالذات فان المقصود من إيجاب ترك التعاون على الإثم والعدوان انما هو تحصيل التعاون على البر والتقوى. وسئل رسول الله ﷺ عن البر والإثم فقال (البر حسن الخلق والاسم ما حاك فى نفسك وكرهت ان يطلع عليه الناس) وَاتَّقُوا اللَّهَ فى جميع الأمور التي من جملتها مخالفة ما ذكر من الأوامر والنواهي فثبت وجوب الاتقاء فيها بالطريق البرهاني إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ فانتقامه أشد لمن لا يتقيه. واعلم ان شعائر الله فى الحقيقة هى مناسك الوصول الى الله وهى معالم الدين والشريعة ومراسم آداب الطريقة باشارة ارباب الحقيقة فان حقيقة البر هو التفرد للحق وحقيقة التقوى هو الخروج عما سوى الله تعالى فالوصول لا يمكن الا بهما لكنهما خطوتان لا يمكن للمريد الصادق ان يتخطى بها الا بمعاونة شيخ كامل مكمل واصل موصل فانه دليل هذا الطريق: قال الحافظ
| بكوى عشق منه بي دليل راه قدم | كه من بخويش نمودم صد اهتمام ونشد |
| شبان وادئ ايمن گهى رسد بمراد | كه چند سال بجان خدمت شعيب كند |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء