ولما نهى عن التعرض للصيد في الحرم، نهى عن تغيير المناسك والتعرض للحجاج ؛ لأنه من تعظيم حرمة الحرم، فقال :
يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمّين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنئان قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب( ٢ ) .
قلت : الشعائر : جمع شعيرة، وهي اسم من أشعر، أي : جعل علامة على مناسك الحج ومواقفه و لا يجرمنكم أي : يحملنكم، أو يكسبنكم، يقال : جرم فلان فلانا هذا الأمر، إذا أكسبه إياه وحمله عليه. والشنآن : هو البغض والحقد، يقال : بفتح النون وإسكانها، و أن صدوكم مفعول من أجله، و أن تعتدوا مفعول ثان ليجرمنكم. ومن قرأ :( إن صدوكم )، بالكسر فشرط، أغنى عن جوابه : لا يجرمنكم .
يقول الحق جل حلاله : يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله أي : لا تستحلوا شيئا من ترك المناسك، وذلك أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل مكة لا يخرجون إلى عرفات، وكان أهل اليمن يرجعون من عرفات، فأمرهم الله ألا يتركوا شيئا من المناسك، أي : لا تحلوا ترك شعائر الله ولا تحلوا الشهر الحرام بالقتال أو السبي، وهذا قبح النسخ، ولا تحلوا الهدي ، أي : ما أهدي إلى الكعبة، فلا تتعرضوا له ولو من كافر، ولا تحلوا القلائد أي : ذوات القلائد، وهي الهدي المقلدة، وعطفها على الهدي للاختصاص ؛ فإنها أشرف الهدي، أي : لا تتعرضوا للهدي مطلقا. والقلائد جمع قلادة، وهي : ما قلد به الهدي من نعل أو لحاء الشجر، أو غيرهما، ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له، ولا تحلوا آمين أي : قاصدين البيت الحرام، أي : قاصدين لزيارته، يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا أي : يطلبون رزقا بالتجارة التي قصدوها، ورضوانا بزعمهم، لأنهم كانوا كفارا.
وذلك، أن الآية نزلت في الحطم بن ضبيعة، وذلك أنه أتى المدينة، فخلف خيله خارج المدينة، ودخل وحده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إلام تدعو الناس إليه ؟ فقال له :" إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ". فقال : حسن، إلا أن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم، ولعلي أسلم، فخرج وغار على سرح المدينة فاستاقه، فلما كان في العام المقبل خرج حاجا مع أهل اليمامة، ومعه تجارة عظيمة، وقد قلد الهدي، فقال المسلمون للنبي صلى الله عليه وسلم : هذا الحطم قد خرج بيننا وبينه ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إنه قلد الهدي "، فقالوا يا رسول الله : هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية –أي تقية-، فأبى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية.
وقال ابن عباس : كان المشركون يحجون ويهدون، فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم، فنهاهم الله تعالى بالآية :
وإذا حللتم من الحج والعمرة فاصطادوا ، أمر إباحة ؛ لأنه وقع بعد الحظر، ولا يجرمنكم أي : لا يحملنكم، أو لا يكسبنكم شنآن قوم أي : شدة بغضكم لهم لأجل أن صدوكم عن المسجد الحرام عام الحديبية أن تعتدوا بالانتقام منهم ؛ بأن تحلوا هداياهم وتتعرضوا لهم في الحرم. قال ابن جزيّ : نزلت عام الفتح حين ظفر المسلمون بأهل مكة، فأردوا أن يستأصلوهم بالقتل ؛ لأنهم كانوا قد صدّوهم عن المسجد الحرام عام الحديبية، فنهاهم الله عن قتلهم ؛ لأن الله عَلِمَ أنهم يؤمنون. ه. ثم نسخ ذلك بقوله :
فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ [ التوبَة : ٥ ].
ثم قال تعالى : وتعاونوا على البرّ والتقوى كالعفو، والإغضاء، ومتابعة الأمر، ومُجانَبة الهوى. وقال ابن جزيّ : وصية عامّة، والفرق بين البرّ والتقوى ؛ أن البرّ عامّ في الواجبات والمندوبات، فالبرّ أعمّ من التقوى. ه. ولا تعاونوا على الإثم والعدوان كالتشفّي والانتقام. قال ابن جُزَيّ : الإثم : كل ذنب بين الله وعبده، والعدوان : على الناس. ه. واتقوا الله إن الله شديد العقاب ؛ فانتقامه أشد.
الإشارة : قد أمر الحق جلّ جلاله بتعظيم عباده، وحِفظ حُرمتهم كيفما كانوا، " فالخلق كلّهم عِيال الله، وأحبّ الخلقِ إلى اللهِ أنفعُهُمْ لِعِياله "، فيجب على العبد كفّ أذاه عنهم وحمل الجفا منهم، وألاَّ ينتقم لنفسه ممَّن آذاه منهم، ولا يحمله ما أصابه منهم على أن يعتدي عليهم ولو بالدعاء، بل إن وسَع الله صدره بالمعرفة قابلهم بالإحسان، ودعا لعدوّه بصلاح حاله ؛ حتى يأخذ الله بيده، وهذا مقام الصّديقيَة العظمى والولاية الكبرى، وهذا غاية البرّ والتقوى الذي أمر الله تعالى بالتعاون عليه، والاجتماع إليه، دون الاجتماع على الإثم والعدوان، وهو الانتصار للنفس والانتقام من الأعداء، فإن هذا من شأن العوامّ، الذين هم في طرف مقام الإسلام. والله تعالى أعلم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي