ومن بعد ذلك يقول الحق :
يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدى ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا وإذا حللتم فاصطادوا ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب( ٢ ) .
بداية هذه الآية تقول : " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله " وهي تأتي بعد آية أحلت أشياء، كأن الحق يقول للعبد : مادمت قد أعطيت فأنا أمنع عنك، أعطيتك أشياء وأمنعك أشياء وسبحانه حين يحظر على الإنسان شيئا ويمنعه منه، فهو يعطي هذا الشيء لأخ مؤمن، ومادام الأمر كذلك فلا يستطيع ولا يصح أن تنظر إلى الشيء المسلوب منك فقط بل انظر إلى المسلوب من غيرك بالنسبة لك.
وعلى سبيل المثال حين يأمرك الحق : " لا تسرق "، فأنت شخص واحد ويقيد سبحانه حريتك بهذا الأمر، وقيد في الوقت نفسه حرية كل الناس بالنسبة إليك، وعندما تقارن الأمر بالنسبة لنفسك تجد أنك المستفيد أساسا، لأن كل الناس ستطبق حكم الله بألا يسرقوا منك شيئا، وفي هذا خدمة لكل عبد وهب أن واحدا سرق، إنه لن يستطيع أن يسرق من كل الناس ولو سرق ألف من الناس شخصا واحدا فما الذي يبقى له ؟.
وحين يأمر الحق العبد ألا ينظر إلى محارم غيره، فظاهر الأمر أنه تقييد لحركة العبد، لكن الواقع أنه سبحانه قيد حركة الناس كلها من أجل هذا العبد، وأمرهم ألا ينظروا إلى محارم غيرهم.
إذن ساعة ترى أيها المسلم نهيا أمر به الله، فلا تصب النهي عليك، ولكن صب النهي أيضا على كل الناس بالنسبة لك وساعة يقول الحق : " يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله " أي لا تجعلوا شعائر الله حلالا، والشعائر هي معالم الدين كلها ونقول " هذه الدولة شعارها النسر " معنى ذلك أننا إذا رأينا الشعار نعرف البلد وكذلك أعلام الدول، فهذا علم لمصر وذاك علم لإنجلترا وثالث علم لفرنسا وكل محافظة في مصر على سبيل المثال تضع لنفسها شعارا وعلما، إذن فالشعار هو المعلم الذي يدل على الشيء، وشعائر الله هي معالم دين الله المتركزة في " افعل " و " لا تفعل " زمانا ومكانا، عقائد وأحكاما.
لكن الشعائر غلبت على ما نسميه مناسك الحج، وأول عملية في مناسك الحج هي الإحرام، أي لا نهمل الإحرام، ومن شعائر الحج الطواف فلا تحل شعائر الله، ووجب عليك أن تطوف حول البيت وكذلك السعي بين الصفا والمروة، والوقوف بعرفات ورمي الجمار، كل هذه شعائر الله التي أمر ألا يحلها المؤمنون أي أمر سبحانه ألا يتهاونوا فيها لأن هذه الشعائر هي الضابط الإيماني وأن ننظر إلى أن أمر الله لكل حاج أو معتمر بالإحرام هو أمر بالعزلة لبعض الوقت عن النعمة، لأن الإنسان يذهب للحج في رحلة إلى المنعم، وأن الإنسان يغير ملابسه بملابس موحدة ولا يتفاضل فيها أحد على أحد، لأن الناس في الحياة اليومية تتفاضل بهندامهم وتدل الملابس على مواقعهم الاجتماعية وعندما يخلعون جميعا ملابسهم ويرتدون لباسا موحدا، تكون السمة المميزة هي إعلان الولاء لله.
وكذلك عندما يأتي الأمر بألا يقص الإنسان شعرة منه سواء أكان عظيما في مجتمعه أم فقيرا ويتراءى الناس جميعا وينظر بعضهم إلى بعض فيجدون أنهم على سواء على الرغم من اختلاف منازلهم وأقدارهم وتكون ذلة الكبير مساوية لذلة الصغير وذلك انضباط إيماني لا بين الإنسان والمساوي له، ولكنه الانضباط مع الكون كله، بكل أجناسه فالشجرة بجانب الحرم محرمة على كل إنسان أن يقطعها أو يقطع جزءا منها، وبذلك يأمن النبات في الحرم، وكذلك الحمام والحيوانات وأيضا يأمن الإنسان لأن الجميع في حرم رب الجميع وتلك مسألة تصنع رعشة ورهبة إيمانية في النفس البشرية وتكون فترة الحج هي فترة الانضباط الإيماني وتتوافق فيها كل أجناس الوجود، فالإنسان يتساوى مع الإنسان ولا يلمس الحيوان وكذلك النبات، ويبقى الجماد وهو خادم الجميع من أجناس الكون، لأن الحيوان يخدم الإنسان، والنبات يخدم الحيوان، والجماد يخدم الكل، وهو خادم غير مخدوم ويصنع الحق حماية للجماد في الكعبة نفسها، فيأمر الناس باستلام الحجر الأسود أو بتقبيله إذا تيسر ذلك أو بالإشارة إليه.
فهذا السيد العالي الإنسان على النبات والحيوان يأتي إلى جماد فيعظمه ويوقره، فالذي لا يستطيع تقبيل الحجر الأسود عليه تحيته بأن يشير بيده حتى يكون الحج مقبولا منه، لذلك يتزاحم الناس للذهاب إلى الحجر الأسود، وهكذا يكون الجماد مصونا في بيت الله الحرام، ويعوضه الله بأن جعله منسكا وجعله شعيرة وجعل الناس تزدحم عليه وتقبله بينما لا يقبل الإنسان الحيوان أو النبات، لكنه يقبل الجماد أدنى الأجناس، وهذه قمة التوازن الوجودي فالإنسان المختار المتعالي على الأجناس يذهب صاغرا لتقبيل أو استلام الحجر الأسود بأمر الله.
ويرجم الإنسان حجرا آخر هو رمز إبليس وذلك حتى يعرف الإنسان أن الحجرية ليست قيمة في حد ذاتها ولكنها أوامر الآمر الأعلى حتى لا يستقر في ذهن الإنسان تعظيم الحجر فالحاج يقبل حجرا ويرجم ويرمي حجرا آخر.
" يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله "، لأن الله جعل الشعائر لتحقق الانضباط الإيماني، وبقاء ذكر الاستخلاف لله فلا يدعي أحد أنه أصيل في الكون، بل الكل عبيد الله والوجود كله هو سلسلة من الخدمة فالإنسان يخدم الإنسان والحيوان يخدم الإنسان والنبات يخدم الإنسان والحيوان، والجماد يخدم الكل، لكن لا أحد أفضل من أحد، بل الجماد نفسه مسبح بحمد الله، وقد لا يسبح الإنسان.
إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا( ٧٢ ) ( سورة الأحزاب ).
وهذا الأمر بعدم الحل لشعائر الله جعل كل شعيرة تأخذ حقا من التقدير والاحترام، ولا يظنن ظان أن شعيرة من الشعائر ستأخذ لذاتها تقديسا ذاتيا، بل كله تقديس موهوب من الله ويسلبه الله.
" لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام " أي لا تحلوا الشهر الحرام، أي عليكم أن تحرموا هذا الشهر الحرام، فقد جعله الله شهرا حراما لمصلحة الإنسان ويحمي به سبحانه عزة وذلة الإنسان أمام عدوه، يحمي انكسار نفس الضعيف أمام القوي فالقوي القادر على القتال قد تهفو نفسه إلى أن يتوقف عن الحرب فترة يلتقط فيها الأنفاس، ولو فعل ذلك لكان إعلانا للتخاذل أمام الخصم ولذلك يأتي الحق بزمان يقول فيه : أنا حرمت الحرب في الأشهر الحرم، هنا يقول المقاتل : لقد حرم الله القتال في الأشهر الحرم، وتلك حماية للإنسان، وليذوق لذة الأمن والسلام والطمأنينة فقد يعشق الإنسان القوي السلام من بعد ذلك.
لماذا إذن جاء الحق هنا بالشهر الحرام بينما نحن نعرف أن الأشهر الحرم أربعة ؟ إن نظرنا إلى الأشهر الحرم كجنس فهي تطلق على كل شهر من الشهور الأربعة، وإذا اعتبرنا الشهر الحرام أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، فالمعنى صحيح ونعرف أن الأشهر الحرم أربعة، ثلاثة متصلة وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد منفصل هو رجب، وسبحانه وتعالى يعلم أن كل فعل من الأفعال لا بد له من زمان ولا بد له من مكان، فحين لا يوجد حدث لا يوجد زمان ولا مكان، ولم يأت الزمان والمكان إلا بعد أن أحدث الله في كونه شيئا، ولا يقولن واحد : متى كان الله ولا أين كان الله، لأن " متى " و " أين " من مخلوقات الله. وجعل سبحانه لكل حدث زمانا ومكانا ولذلك يأتي الحق سبحانه وتعالى ليحمي عزة الناس وليجعل لهم من تشريعه الرحيم ستارا يستتر فيه ضعيفهم، ويراجع فيه قويهم لعله يرعوي ويرجع عن غيه وظلمه فأوجد أماكن محرمة، وأزمنة محرمة والأماكن المحرمة هي التي عند الحرم : ومن دخله كان آمنا ( من الآية٩٧سورة آل عمران ).
حيث يؤمن الإنسان أخاه الإنسان إذا ما دخل الحرم وكذلك في الزمان جعل سبحانه الأشهر الحرم.
لقد أخد الحق الحدث للزمان والمكان، وكان القوي قديما يحارب ويقترب من النصر، وعندما يهل الشهر الحرام يستمر في الحرب، ثم يعلن أن الشهر الحرام هو الذي سيأتي بعد الحرب، ولذلك يأمر سبحانه بعدم تغيير زمان الشهر الحرام لأن الله يريد بالشهر الحرام أن ينهي سعار الحرب.
وبعد ذلك يقول الحق : " ولا الهدي " والهدي هو ما يهدى إلى الحرم، وهو جمع هدية، وهناك من يقدم للكعبة هدية ومجموع الهدايا تسمى هديا، وهدي الحرم إنما جعله الله للحرم، فالحرم قديما كان بواد غير ذي زرع، ولم تكن به حيوانات كثيرة، وكانوا يأتون بالهدي معهم عندما يحجون، لذلك حرم الله الاقتراب من الهدي لأنها هدايا إلى الحرم، والحجيج أفواج كثيرة وعندما يأتي الناس كثيرون في واد غير ذي زرع يحتاجون إلى الطعام، ولا يصح أن يجعل المؤمن الهدي بغير ما أهدى إليه، فقد يشتاق إنسان صحب معه إلى أكل اللحم وهو في الطريق إلى الكعبة فيذبحه ليأكل منه، وهذا الفعل حرام لأن الهدي إنما جاء إلى الحرم ويجب أن يهدى ويقدم إلى الحرم وعلى الإنسان أن يصون هدي غيره أيضا.
" ولا القلائد " وهي جمع " قلادة " والقلادة هي ما تعلق بالرقبة وقديما كان الذاهب إلى الحج يخاف على الهدي أن يشرد منه، لذلك كانوا يضعون حول عنق الهدي قلادة حتى يعرف من يراه أنه " هدي " ذاهب إلى الحرم والهدي الأول هو الهدي العام الذي لا قلائد حول عنقه، والقلائد تعبر عن الهدي الذي توجد حول رقابه قلائد وتدل عليه وتكون علامة على أنه مهدى إلى الحرم، وقد يكون النهي هنا حتى عن استحلال القلادة التي حول رقبة الهدي حتى لا تضيع الحكمة والحق سبحانه وتعالى حين يعبر بعبارة ما فهو يعبر بعبارة تؤدي المعنى ببلاغة.
وكانوا قديما عندما لا يجدون قلادة يأخذون لحاء الشجر وقشرة ويقطعون منه قطعة ويربطونها حول رقبة الهدي، وذلك حتى يعرف الناس أن هذا هدي ذاهب إلى الحرم ويضمن سبحانه اقتيات الوافد إليه، لا من القوت العادي ولكن يطعمه من اللحم أيضا، ويجعل ذلك من ضمن المناسك أليس هو من دعا هؤلاء الناس إلى الحج ؟ أليس هؤلاء هم ضيوف الرحمن ؟.
إن الإنسان منا يقوم بذبح الذبائح لضيوفه، فما بالنا بالحق الأعلى سبحانه وتعالى ؟ لذلك جعل الهدي طعاما لضيوفه، وتزدحم الناس في منى وعرفات بكثرة لا حدود لها، ولا بد أن يكرمهم الله بألذ وأطيب الطعام، والفقير يذهب إلى المذبح ويأخذ من اللحم أطيبه ويقوم بتجفيفه في الهواء والشمس ويخزنه ليطعم منه طويلا وهو ما يعرف ويسمى بالقديد والحق سبحانه وتعالى يأتي بالحكم بطريقة لها منتهى البلاغة، فهو يحرم حتى قلادة الهدي أن يلمسها أحد.
ويقول سبحانه : " ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا " أي لا تمنعوا أناسا ذاهبين إلى بيت الله الحرام ولا تصدوهم عن السبيل، فهم وفد الله وقد جاء هذا القول قبل أن ينزل الحق قوله :
إنما المشركون نجس ( من الآية٢٨سورة التوبة ).
وكان غير المسلمين يحجون بيت الله الحرام من قبل نزول هذه الآية، فلم يكن الحكم قد صدر ونتساءل : هل الكافرون بالله يبتغون فضلا من الله ؟ نعم ففضل الله يغمر الجميع حتى الكافر
تفسير الشعراوي
الشعراوي