ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

وقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) الحِكْمَةُ، والحَكْمَةُ من أصل الإبانة إذا كان في القول قيل: له حكم وقد حكم، وإذا كان في الفعل، قيل: له حِكْمَةٌ وحُكْمٌ وله حِكَمٌ فإذا قلت: حكمت بكذا، فمعناه قضيت فيه بما هو حكمه، وإن كان يقال حكم فلان بالباطل، بمعنى أجرى الباطل مجرى الحكمة، فحكم الله تعالى مقتضٍ للحكمة لا محالة فنبه بقوله: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) أن ما يريده يجعله حكمه حثاً للعباد على الرضا به كما قال عليه الصلاة والسلام: حاكياً عن ربه تعالى: (من لم يرض بقضائي ولم يصبر على بلائي فليطلب رباً سواي).
فالله يحكم ما يريد، وحكمه ماضٍ ومن رضي بحكمه استراح في نفسه، وهُدِي لرشده، ومن سخط نقد حكمه واكتسب بسخطه سخط الله وإمقاته.
قوله تعالىْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَئَانُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)

صفحة رقم 254

الشعائر: حمع شعيرة أي العلامة، وأصلها إصابة
الشعر، كقولك عانه وكبده، يقال للحواس المشاعر، قال الحسن: شعائر
الله دينه وفرائضه، وقول عطاء: هي مناسك الحج، فأشار إلى نحو ما قال
الحسن.
وقوله: (وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) أي القتال فيه وقيل: هو تحريم
النسىء المذكور في قوله: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ).

صفحة رقم 255

والهدي أصله فيما يُهدى من النعَّم، وقد يستعمل في كل ما يتقرب به إلى الله
وعلى ذلك قال عليه الصلاة والسلام: (المبكر للجمعة كالمهدي بدنه، إلى أن قال ثم الذي يليه كالمهدي بيضة)، فجعل البيضة هدياً.
والقلائد ما يطوق به الهدي شعاراً له، وقيل: نبه بذلك على تحريم كل ما يحتص بالهدي فنص على أدناه الذي لا قدر له تنبيها على ما فوقه، كقوله تعالى: (مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ)
وقيل: أراد به المقلدات فبين تحريم المقلَّد وغير المقلَّد

صفحة رقم 256

وقال بعضهم معنى: (لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ): أي لا تمنعوا الكفار من
التمسك بشعائره، فقد كانوا مجتمعين مع المؤمنين في إقامة
المناسك فمن قال هذا قال الآية منسوخة لقوله:
(فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ).
وعلى الأول خطاب للمسلمين لمراعاة أحكام الدين عاماً، أو أحكام الحج، ولا يكون فيه نسح،
وقوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا)
قيل: عنى الفضل الدنيوي المطلوب بالمكاسب المباحة.
وقيل: بل الفضل الأخروي.

صفحة رقم 257

(وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) رخصة كقوله: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) ليجزم أن التكسب مكروه، ولا يقال ذلك للكسب المحمود في عامة كلامهم.
وقول الشاعر:
جَرِيمَةُ نَاهضٍ في رَأسِ نَيْقٍ -
على طريق التشبيه. والتنبيه أن العقاب يرتكب بالجرائم، لا قبل أدائها

صفحة رقم 258

كما ذكر بعض الحكماء ما ذو والد وإن كان بهيمة إلا ويذنب لأجل أًولاده
وعلى هذا المعنى قيل: فلان يجرم لأهله، وقوله تعالى: (أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي لأجل أن صدوكم.
وقولهه: (أَن تَعتَدُوا) أي على أن تعتدوا، ونهى المسلمين عن الاعتداء على من ظلمهم فأبغضوهم لظلمهم إياهم، وقرأ إن صدوكم، ويكون في تقدير المستقبل.
إن قيل كيف قال هاهنا هذا، وقد قال: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) قيل الأمور به في قوله: (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) إباحة المُجازاة للظالم بمثل فعله فسماه باسم الأول.
وقوله تعالى: (أَن تَعتَدُوا) نهى عما هو أكثر من المجازاة، أو حث على العفو، وقوله:
(شَنَئَانُ) إذا قرأ بفتح النون فمصدرٌ، نحو نَزوَان وطَيَران، وإذا قرأ

صفحة رقم 259

بسكونها فاسم، نحو عطشان أي لا يحملنكم بغيض قوم، أي من يبغضون
منهم.
وقيل: شَنْآن وشَنَآن. بمعنى وأكثر ما يقال في المصادر، والأوصاف
، والأفعال التعدية.
والتقوى في هذا الموضع اسم لغاية ما يبلغه الإنسان وهي
المذكورة في قوله: (لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ) فكأنه قال تعاونوا على أدنى المنازل من
الخير وأقصاها، وقيل: بل البِرُ أعلى المنزلتين فإنه ما اطمأن إليه القلب من غير أن ينكره بجهة أو سبب، والتقوى: اجتناب المآثم، فكأنه قيل تعاونوا على فعل الخير وترك الشر.
وقوله تعالى: (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) فالإثم يتناول جنايات العبد بينه وبين الله وما بينه وبين العباد.

صفحة رقم 260

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية