ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

أخرج ابن جرير عن عكرمة وعن السدي نحوه أنه قدم الحكم بن هند البكري المدينة في عير له يحمل طعاما فباعه ثم دخل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فبايعه واسلم، فلما ولى خارجا نظر إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : لمن عنده :( لقد دخل علي بوجه فاجر وولى بقضاء غادر ) فلما قدم اليمامة ارتدى عن الإسلام وخرج في عير له يحمل الطعام في ذي القعدة يريد مكة فلما سمع به أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم تهيأ للخروج إليه نفر من المهاجرين والأنصار ليقطعوه في عيره فأنزل الله تعالى : يأيها الذين أمنوا لا تحلوا شعائر الله الآية فانتهى القوم. وقال البغوي : نزلت في الحطم واسمه شريح بن ضيعة البكري إلى المدينة وخلف خيله خارج المدينة وحده على رسول صلى الله عليه وآله وسلم فقال : له : إلى ما تدعو الناس ؟ فقال :) إلى شهادة أن لا إله إلا الله وان محمد رسول الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال : حسن، ألا إن لي أمراء لا أقطع أمرا دونهم ولعلى أسلم وأتى بهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه ( يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان ) ثم خرج شريح من عنده، فقال : رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( لقد دخل بوجه كافر وخرج بقناء غادر ) ومر الرجل فمر بسرح المدينة فاستاقه وانطلق فتبعوه فلم يدركوه، فلما كان العام المقبل خرج حاجا في حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلد الهدي فقال : المسلمون للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : هذا الحطم خرج حاجا فخل بيننا وبينه، فقال : النبي صلى الله عليه وآله وسلم :( إنه قد قلد الهدي ) فقالوا : يا رسول الله هذا شيء كنا نفعله في الجاهلية، فأبي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية. وذكر الواحدي أتى الحطم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من اليمامة إلى المدينة فعرض عليه الإسلام فلم يقبل فلما خرج مر بسرح المدينة فاستاقها فلما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم عام القضية سمع تلبيته بحجاج اليمامة فقال : لأصحابه ( هذا الحطم وأصحابه ) وقد كان قلد ما نهب من السرح وأهداه إلى الكعبة فأنزل الله تعالى هذه الآية، وقال ابن عباس والمجاهد : المراد بشعائر الله مناسك الحج وموقفه من المطاف والمسعى والموقف بعرفة والمزدلفة والرمي للجمار والأفعال التي تعرف بها الحاج من الإحرام والطواف والحلق والحلق والنحر وغيرها وإحلالها التهاون بحرمتها، وأن يحال بينها وبين المتناسكين بها كان المشركون يحجون ويهدون فأراد المسلمون أن يغيروا عليهم فنهاهم الله عن ذلك. والشعائر : جمع شعيرة وهي في الأصل اسم لما أشعر به إنما سمى أعمال الحج ومواقفه شعائر لأنها علامات الحج وإعلام النسك، وقال أبو عبيدة شعائر الله هي الهدايا والإشعار من الشعار أي العلامة، والإشعار أن يطعن في صفحة سنام البعير بحديدة حتى يسيل الدم فيكون ذلك علامة أنه هدي، قلت : وعلى هذا يلزم التكرار بذكر الهدايا والقلائد.
مسألة : الإشعار في الهدايا سنة إذا كانت الهدي من الإبل عند الأئمة الثلاثة وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة مكروه والحجة للجمهور ما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت :( فتلت قلائد بدن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيدي ثم قلدها وأشعرها وأهداها فما حرم عليه شيء كان أحل له )١ قال عطية عن ابن عباس : لا تحلوا شعائر الله هي أن تصيد وأنت محرم بدليل قوله تعالى : وإذا حللتم فاصطادوا قلت لعل المراد من قول ابن عباس هذا أو الذي ذكرنا عنه سابقا واحدا، فإن الاجتناب عن الاصطياد في الإحرام داخل في الاجتناب عن إحلال مناسك الحج، وقيل : المراد من قوله لا تحلوا شعائر الله النهي عن القتل في الحرم ولا الشهر الحرام وإحلال القتال فيه، وقال ابن زيد : هو النسيء وذلك أنهم كانوا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ولا الهدى جمع هدية وهي ما يهدى به إلى الكعبة من الإبل والبقر والغنم، ذكر البخاري عن ابن عباس أنه سئل عن الهدي فقال : فيها جزور أو بقر أو شاة، وإنما ذكر الهدي مع أنه من الشعائر تخصيصا بعد تعميم لأن المنع عن تحليله أهم لأن فيه إتلاف حق الفقراء ولأنه أقرب بأن يقع الناس فيه لأن فيه أخذ مال جبل الطبائع على حبها ولا القلائد جمع قلادة وهي : ما قلد به الهدي من لحاء شجر أو غيرهما ليعلم به أنه هدي فلا يتعرض له، والمراد به الهدايا المقلدة وعطفها على الهدي للاختصاص فإنه أشرف الهدي، وقال عطاء : أراد أصحاب القلائد وذلك أنهم كانوا في الجاهلية إذا أرادوا الخروج من الحرم قلدوا أنفسهم وإبلهم بشيء من لحاء شجر الحرم كي لا يتعرض لهم، وقال مطرف بن الشخير : هي القلائد أنفسها وذلك أن المشركين كانوا يأخذون لحاء من شجر مكة ويتقلدونها فنهو عن نزع شجرها، وقيل : النهي عن إحلال القلائد مبالغة في النهي عن التعرض للهدي نظيره قوله تعالى : ولا يبدين زينتهن ٢ وإحلال الهدي والقلائد أخذها أو منعها عن البلوغ إلى الحرم ( ولا آمين ) قاصدين البيت الحرام لزيارته وإحلالهم التعرض لهم بالقتل والنهب ( يبتغون ) يطلبون فضلا من ربهم في الدنيا بالرزق في التجارة وفي الآخرة بالثواب
ورضوانا يرضى عنهم، والجملة في موضع الحال من المستكن في آمين، أو صفة موصوفة المقدر تقديره ولا قوما آمين البيت الحرام يبتغون، ولا يجوز أن يكون صفة لآمين لأنه عامل والمختار أن اسم الفاعل الموصوف لا يكون عاملا، وفائدة هذا التقييد استنكار إحلال من هذا شأنه والتنبيه على المانع، وكلمة آمين والبيت الحرام يعم المؤمنين والمشركين من حيث الصيغة ومن حيث سوق الكلام، فإن الآية نزلت في عام القضاء وسيق الكلام للنهي عن تعرض البكري وهداياه وأمثاله، فالآية منسوخة باعتبار قصر حكمها بالمؤمنين بقوله تعالى : فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ٣ وقوله تعالى : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا ٤فلا يجوز أن يحج مشرك ولا يأمن كافر بالهدي والقلائد ابتغاء الفضل والرضوان في المشركين، قيل : مبني على زعمهم لأن الكافر لا نصيب له في الرضوان، وقال قتادة : هوأن يصلح الله معايشهم في الدنيا وأن لا يعجل لهم العقوبة فيها، وقيل : ابتغاء الفضل أي الرزق بالتجارة عام للمؤمنين والمشركين وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة وإذا حللتم من الإحرام فاصطادوا إذن في الاصطياد بعد تحريمه بقوله تعالى : لا تحلوا شعائر الله فإن الصيد في الإحرام تحليل للشعائر، وقيل : بعد المنهى لقوله تعالى : غير محلي الصيد وهذا بعيد وهذا الأمر للإباحة بقرينة الإجماع كما في قوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ٥ولا دليل فيه على أن الأمر بعد الحظر يكون للإباحة مطلقا فإن مقتضى الأمر المطلق الخالي عن القرائن هوالإيجاب، كما برهن عليه في الأصول قال الله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ٦ وقال الله تعالى : وما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ٧ وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت وقد اشتد ذلك عليهم، ومر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال : أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نصد هؤلاء كما صدنا أصحابنا فأنزل الله تعالى : ولا يجرمنكم قال البغوي : قال ابن عباس وقتادة : لا يحملنكم، وقال الفراء : لا يكسبنكم شنآن قوم أي قومكم من أهل مكة، والشنآن مصدر بمعنى شدة البغض والعداوة أضيف إلى المفعول أو الفاعل، قرأ ابن عامر وأبو بكر بسكون النون الأولى والآخرون بفتحها وهما لغتان في المصدر، وجاز أن يكون نعتا على تقدير سكون النون بمعنى بغيض قوم فإن المصادر أكثرها فعلان بفتح العين مثل الضربان والسيلان والنسلان وبالسكون في النعت أكثر مثل السكران والندمان والرحمن أن صدوكم قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الهمزة على أنه شرط معترض أغنى عن جوابه لا يجرمنكم، والباقون بفتح الهمزة بتقدير اللام أي : لأن صدوكم عن البيت عام الحديبية متعلق بشنآن، قال البغوي : قال محمد بن جرير : هذه السورة نزلت بعد قصة الحديبية وكان الصد قد تقدم عن المسجد الحرام أن تعتدوا عليهم بالقتال وأخذ الموال، وهذا ثاني مفعولي يجرمنكم فإنه يتعدى إلى واحد وإلى اثنين ككسب وتعاونوا على البر أي على امتثال أمر الله تعالى والتقوى أي الانتهاء عما نهى عنه كي يتقي نفسه عن عذاب الله ولا تعاونوا على الإثم والعدوان يعني لا تعاونوا على ارتكاب المنهيات ولا على الظلم لتشفى صدوركم بالانتقام. عن النواس بن سمعان الأنصاري قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن البر والإثم : قال :( البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس٨ رواه مسلم في صحيحه والبخاري في الأدب والترمذي، وعن أبي ثعلب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( البر ما سكنت إليه النفس واطمأن إليه القلب وإن أفتاك المفتون )٩ رواه أحمد، قلت : هذا الحديث خطاب لأرباب النفوس المطمئنة والقلوب الزاكية واتقوا الله إن الله شديد العقاب فانتقامه أشد وأخوف

١ أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب: من أشعر وقلد بذي الخليفة ثم أحرم (١٦٩٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: استحباب بعث الهدي إلى الحرم لمن لا يريد الذهاب بنفسه (١٣٢١)..
٢ سورة نور، الآية ٣١..
٣ سورة التوبة الآية ٥..
٤ سورة التوبة الآية ٢٨..
٥ سورة الجمعة، الآية: ١٠..
٦ سورة النور، الآية: ٦٣..
٧ سورة الأعراف الآية ١٢..
٨ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد، باب: ما جاء في البر والإثم (٢٣٨٩) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب، اب: تفسير البر والإثم (٢٥٥٣)..
٩ رواه أحمد ورجاله ثقات.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير