ﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿ

النَّوْعُ الثَّانِي: مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَحَلَّ بَهِيمَةَ الْأَنْعَامِ ذَكَرَ الْفَرْقَ بَيْنَ صَيْدِهَا وَغَيْرِ صَيْدِهَا، فَعَرَفْنَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْهَا صَيْدًا، فَإِنَّهُ حَلَالٌ فِي الْإِحْلَالِ دُونَ الْإِحْرَامِ، وَمَا لَمْ يَكُنْ صَيْدًا فَإِنَّهُ حَلَالٌ فِي الْحَالَيْنِ جَمِيعًا واللَّه أَعْلَمُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أَيْ مُحْرِمُونَ أَيْ دَاخِلُونَ فِي الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَوْ أَحَدِهِمَا، يُقَالُ: أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَحُرُمٌ، كَمَا يُقَالُ: أَجَنْبَ فَهُوَ مُجْنِبٌ وَجُنُبٌ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ، يُقَالُ قَوْمٌ حُرُمٌ كَمَا يُقَالُ قَوْمٌ جُنُبٌ. قَالَ تَعَالَى: وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا [الْمَائِدَةِ: ٦٥].
وَاعْلَمْ أَنَّا إِذَا قُلْنَا: أَحْرَمَ الرَّجُلُ فَلَهُ مَعْنَيَانِ: الْأَوَّلُ: هَذَا، وَالثَّانِي: أَنَّهُ دَخَلَ الْحَرَمَ فَقَوْلُهُ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، فَيَحْرُمُ الصَّيْدُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الْحَرَمِ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى مَنْ كَانَ مُحْرِمًا بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اعْلَمْ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الصَّيْدَ حَرَامٌ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا فَإِنَّ إِذَا لِلشَّرْطِ، وَالْمُعَلَّقُ بِكَلِمَةِ الشَّرْطِ عَلَى الشَّيْءِ عُدِمَ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، إِلَّا أَنَّهُ تَعَالَى بَيَّنَ فِي آيَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ عَلَى الْمُحْرِمِ إِنَّمَا هُوَ صَيْدُ الْبَرِّ لَا صَيْدُ الْبَحْرِ، قَالَ تَعَالَى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً [الْمَائِدَةِ: ٩٦] فَصَارَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بَيَانًا لِتِلْكَ الْآيَاتِ الْمُطْلَقَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: انْتَصَبَ غَيْرَ عَلَى الْحَالِ مِنْ قَوْلِهِ أُحِلَّتْ لَكُمْ كَمَا تَقُولُ: أُحِلَّ لَكُمُ الطَّعَامُ غَيْرَ مُعْتَدِينَ فِيهِ. قَالَ الْفَرَّاءُ: هُوَ مِثْلُ قَوْلِكِ: أُحِلَّ لَكَ الشَّيْءُ لَا مُفَرِّطًا فِيهِ وَلَا مُتَعَدِّيًا، وَالْمَعْنَى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا أَنْ تُحِلُّوا الصَّيْدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ ذَلِكَ إِذَا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى أَبَاحَ الْأَنْعَامَ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، وَأَبَاحَ الصَّيْدَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ دُونَ بَعْضٍ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا السَّبَبُ فِي هَذَا التَّفْصِيلِ وَالتَّخْصِيصِ كَانَ جَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ تَعَالَى مَالِكُ الْأَشْيَاءِ وَخَالِقُهَا فَلَمْ يَكُنْ عَلَى حُكْمِهِ اعْتِرَاضٌ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَقُولُهُ أَصْحَابُنَا إِنَّ عِلَّةَ حُسْنِ التَّكْلِيفِ هِيَ الرُّبُوبِيَّةُ وَالْعُبُودِيَّةُ لَا مَا يَقُولُهُ الْمُعْتَزِلَةُ مِنْ رِعَايَةِ المصالح.
[سورة المائدة (٥) : آية ٢]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٢)
قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ.
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى: لَمَّا حَرَّمَ الصَّيْدَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الْآيَةِ الْأُولَى أَكَّدَ ذَلِكَ بِالنَّهْيِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَنْ مُخَالَفَةِ تَكَالِيفِ اللَّه تعالى فقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ.

صفحة رقم 279

وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّعَائِرَ جَمْعٌ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا جَمْعُ شَعِيرَةٍ. وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: وَاحِدُهَا شَعَارَةٌ، وَالشَّعِيرَةُ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مُفَعَّلَةٍ، وَالْمُشَّعَرَةُ الْمُعَلَّمَةُ، وَالْأَشْعَارُ الْأَعْلَامُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أُشْعِرَ فَقَدْ أُعْلِمُ، وَكُلُّ شَيْءٍ جُعِلَ عَلَمًا عَلَى شَيْءٍ أَوْ عُلِّمَ بِعَلَامَةٍ جَازَ أَنْ يُسَمَّى شَعِيرَةً، فَالْهَدْيُ الَّذِي يُهْدَى إِلَى مَكَّةَ يُسَمَّى شَعَائِرَ لِأَنَّهَا مُعَلَّمَةٌ بِعَلَامَاتٍ دَالَّةٍ عَلَى كَوْنِهَا هَدْيًا. وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَادِ بِشَعَائِرِ اللَّه، وَفِيهِ قَوْلَانِ: الْأَوَّلُ: قَوْلُهُ لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ أَيْ لَا تُخِلُّوا بِشَيْءٍ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه وَفَرَائِضِهِ الَّتِي حَدَّهَا لِعِبَادِهِ وَأَوْجَبَهَا عَلَيْهِمْ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَشَعَائِرُ اللَّه عَامٌّ فِي جَمِيعِ تَكَالِيفِهِ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِشَيْءٍ مُعَيَّنٍ، وَيَقْرُبُ مِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ: شَعَائِرُ اللَّه دِينُ اللَّه. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ شَيْءٌ خَاصٌّ مِنَ التَّكَالِيفِ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَذَكَرُوا وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ لَا تَحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ فِي حَالِ إِحْرَامِكُمْ مِنَ الصَّيْدِ. وَالثَّانِي: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَحُجُّونَ الْبَيْتَ وَيُهْدُونَ الْهَدَايَا وَيُعَظِّمُونَ الْمَشَاعِرَ وَيَنْحَرُونَ، فَأَرَادَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الثَّالِثُ: قَالَ الْفَرَّاءُ: كَانَتْ عَامَّةُ الْعَرَبِ لَا يَرَوْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ الْحَجِّ وَلَا يَطُوفُونَ بِهِمَا، فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: لَا تَسْتَحِلُّوا ترك شيء من مناسك الحج وائتوا بِجَمِيعِهَا عَلَى سَبِيلِ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ. الرَّابِعُ: قَالَ بَعْضُهُمْ:
الشَّعَائِرُ هِيَ الْهَدَايَا تُطْعَنُ فِي أَسَنَامِهَا وَتُقَلَّدُ لِيُعْلَمَ أَنَّهَا هَدْيٌ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ: وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَالْبُدْنَ جَعَلْناها لَكُمْ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ [الْحَجِّ: ٣٦] وَهَذَا عِنْدِي ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَعَالَى ذَكَرَ شَعَائِرَ اللَّه ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهَا الْهَدْيَ، وَالْمَعْطُوفُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُغَايِرًا لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ أَيْ لَا تُحِلُّوا الشَّهْرَ الْحَرَامَ بِالْقِتَالِ فِيهِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الشَّهْرَ الْحَرَامَ هُوَ الشَّهْرُ الَّذِي كَانَتِ الْعَرَبُ تُعَظِّمُهُ وَتُحَرِّمُ الْقِتَالَ فِيهِ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ [التَّوْبَةِ: ٣٦] / فَقِيلَ:
هِيَ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ، فَقَوْلُهُ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِشَارَةً إِلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْهُرِ كَمَا يُطْلَقُ اسْمُ الْوَاحِدِ عَلَى الْجِنْسِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُوَ رَجَبٌ لِأَنَّهُ أَكْمَلُ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ فِي هَذِهِ الصِّفَةِ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَا الْهَدْيَ قَالَ الْوَاحِدِيُّ: الْهَدْيُ مَا أُهْدِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّه مِنْ نَاقَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ، وَاحِدُهَا هَدْيَةٌ بِتَسْكِينِ الدَّالِ، وَيُقَالُ أَيْضًا هَدِيَّةٌ، وَجَمْعُهَا هَدِيٌّ. قَالَ الشَّاعِرُ:

حَلَفْتُ بِرَبِّ مَكَّةَ وَالْمُصَلَّى وَأَعْنَاقِ الْهَدِيِّ مُقَلَّدَاتٍ
وَنَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ [الْمَائِدَةِ: ٩٥] وَقَوْلُهُ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ [الْفَتْحِ: ٢٥].
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلَا الْقَلائِدَ وَالْقَلَائِدُ جَمْعُ قِلَادَةٍ وَهِيَ الَّتِي تُشَدُّ عَلَى عُنُقِ الْبَعِيرِ وَغَيْرِهِ وَهِيَ مَشْهُورَةٌ. وَفِي التَّفْسِيرِ وُجُوهٌ: الْأَوَّلُ: الْمُرَادُ مِنْهُ الْهَدْيُ ذَوَاتُ الْقَلَائِدِ، وَعُطِفَتْ عَلَى الْهَدْيِ مُبَالَغَةً فِي التَّوْصِيَةِ بِهَا لِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْهَدْيِ كَقَوْلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [الْبَقَرَةِ: ٩٨] كَأَنَّهُ قِيلَ: وَالْقَلَائِدُ مِنْهَا خُصُوصًا الثَّانِي: أَنَّهُ نَهَى عَنِ التَّعَرُّضِ لِقَلَائِدِ الْهَدْيِ مُبَالَغَةً فِي النَّهْيِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْهَدْيِ عَلَى مَعْنَى: وَلَا تُحِلُّوا قَلَائِدَهَا فَضْلًا عَنْ أَنْ تُحِلُّوهَا، كَمَا قَالَ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ [النُّورِ: ٣١] فَنَهَى عَنْ إِبْدَاءِ الزِّينَةِ مُبَالَغَةً فِي النَّهْيِ عَنْ إِبْدَاءِ مَوَاضِعِهَا. الثَّالِثُ: قَالَ بَعْضُهُمْ:
كَانَتِ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مُوَاظِبِينَ عَلَى الْمُحَارَبَةِ إِلَّا فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، فَمَنْ وُجِدَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الأشهر الحرم

صفحة رقم 280

أُصِيبَ مِنْهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُشْعِرًا بَدَنَةً أَوْ بَقَرَةً مِنْ لِحَاءِ شَجَرِ الْحَرَمِ، أَوْ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ إِلَى الْبَيْتِ، فَحِينَئِذٍ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ، فَأَمَرَ اللَّه الْمُسْلِمِينَ بِتَقْرِيرِ هَذَا الْمَعْنَى.
ثُمَّ قَالَ: وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ أَيْ قَوْمًا قَاصِدِينَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَقَرَأَ عَبْدُ اللَّه: ولا آمي البيت الحرام على الإضافة.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَفِيهِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَرَأَ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ الْأَعْرَجُ تَبْتَغُونَ بِالتَّاءِ عَلَى خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَفْسِيرِ الْفَضْلِ وَالرِّضْوَانِ وَجْهَانِ: الْأَوَّلُ: يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ بِالتِّجَارَةِ الْمُبَاحَةِ لَهُمْ فِي حَجِّهِمْ، كَقَوْلِهِ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ [الْبَقَرَةِ: ١٩٨] قَالُوا: نَزَلَتْ فِي تِجَارَاتِهِمْ أَيَّامَ الْمَوْسِمِ، وَالْمَعْنَى: لَا تَمْنَعُوهُمْ فَإِنَّمَا قَصَدُوا الْبَيْتَ لِإِصْلَاحِ مَعَاشِهِمْ وَمَعَادِهِمْ، فَابْتِغَاءُ الْفَضْلِ لِلدُّنْيَا، وَابْتِغَاءُ الرِّضْوَانِ لِلْآخِرَةِ. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: إِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَقْصِدُونَ بِحَجِّهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّه وَإِنْ كَانُوا لَا يَنَالُونَ ذَلِكَ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَحْصُلَ لَهُمْ بِسَبَبِ هَذَا الْقَصْدِ نَوْعٌ مِنَ الْحُرْمَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِفَضْلِ اللَّه الثَّوَابُ، وَبِالرِّضْوَانِ أَنْ يَرْضَى عَنْهُمْ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَافِرَ وَإِنْ كَانَ لَا يَنَالُ الْفَضْلَ وَالرِّضْوَانَ لَكِنَّهُ يَظُنُّ أن بِفِعْلِهِ طَالِبٌ لَهُمَا، فَيَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِذَلِكَ بِنَاءً عَلَى ظَنِّهِ، قَالَ تَعَالَى:
وَانْظُرْ إِلى إِلهِكَ [طه: ٩٧] وَقَالَ ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ [الدُّخَانِ: ٤٩].
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ، لِأَنَّ قَوْلَهُ لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرامَ يَقْتَضِي حُرْمَةَ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] قوله وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَقْتَضِي حُرْمَةَ مَنْعِ الْمُشْرِكِينَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا [البقرة: ٢٨] وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ كَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَمْ يُنْسَخْ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ إِلَّا هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ قَوْمٌ آخَرُونَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: هَذِهِ الْآيَةُ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، وَهَؤُلَاءِ لَهُمْ طَرِيقَانِ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اللَّه تَعَالَى أَمَرَنَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنْ لَا نُخِيفَ مَنْ يَقْصِدُ بَيَتَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَحَرَّمَ عَلَيْنَا أَخْذَ الْهَدْيِ مِنَ الْمُهْدِينَ إِذَا كَانُوا مُسْلِمِينَ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَوَّلُ الْآيَةِ وَآخِرُهَا، أَمَّا أَوَّلُ الْآيَةِ فَهُوَ قَوْلُهُ لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ وَشَعَائِرُ اللَّه إِنَّمَا تَلِيقُ بِنُسُكِ الْمُسْلِمِينَ وَطَاعَاتِهِمْ لَا بِنُسُكِ الْكُفَّارِ، وَأَمَّا آخِرُ الْآيَةِ فَهُوَ قَوْلُهُ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْواناً وَهَذَا إِنَّمَا يَلِيقُ بِالْمُسْلِمِ لَا بِالْكَافِرِ. الثَّانِي:
قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ: الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكُفَّارُ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا زَالَ الْعَهْدُ بِسُورَةِ بَرَاءَةٌ زَالَ ذَلِكَ الْحَظْرُ وَلَزِمَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذَا.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا وَفِيهِ مسائل:
المسألة الأولى: قريء: وإذا أحللتم يقال حل المحرم وأحل، وقريء بِكَسْرِ الْفَاءِ وَقِيلَ هُوَ بَدَلٌ مِنْ كَسْرِ الْهَمْزَةِ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَذِهِ الْآيَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ [المائدة: ١] يَعْنِي لَمَّا كَانَ الْمَانِعُ مِنْ حِلِّ الِاصْطِيَادِ هُوَ الْإِحْرَامُ، فَإِذَا زَالَ الْإِحْرَامُ وَجَبَ أَنْ يزول المنع.

صفحة رقم 281

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: ظَاهِرُ الْأَمْرِ وَإِنْ كَانَ لِلْوُجُوبِ إلا أنه لا يفيد هاهنا إِلَّا الْإِبَاحَةَ. وَكَذَا فِي قَوْلِهِ فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ [الْجُمُعَةِ: ١٠] وَنَظِيرُهُ قَوْلُ الْقَائِلِ: لَا تَدْخُلَّنَ هَذِهِ الدَّارَ حَتَّى تُؤَدِّيَ ثَمَنَهَا، فَإِذَا أَدَّيْتَ فَادْخُلْهَا، أَيْ فَإِذَا أَدَّيْتَ فَقَدْ أُبِيحَ لَكَ دُخُولُهَا، وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّا إنما عرفنا أن الأمر هاهنا لَمْ يُفِدِ الْوُجُوبَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ واللَّه أَعْلَمُ.
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَفِي الْآيَةِ مَسَائِلُ:
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ الْقَفَّالُ رَحِمَهُ اللَّه: هَذَا مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ لَا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرامَ يَعْنِي وَلَا تَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَتُكُمْ لِقَوْمٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ عَلَى أَنْ تَعْتَدُوا فَتَمْنَعُوهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَإِنَّ الْبَاطِلَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَدَى بِهِ. وَلَيْسَ لِلنَّاسِ أَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى الْعُدْوَانِ حَتَّى إِذَا تَعَدَّى وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْآخَرِ تَعَدَّى ذَلِكَ الْآخَرُ عَلَيْهِ، لكن الجواب أَنْ يُعِينَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَى مَا فِيهِ الْبِرُّ وَالتَّقْوَى، فَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: قَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» جَرَمَ يَجْرِي مَجْرَى كَسَبَ فِي تَعَدِّيهِ تَارَةً إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ، وَتَارَةً إِلَى اثْنَيْنِ، تَقُولُ: جَرَمَ ذَنْبًا نَحْوَ كَسَبَهُ، وَجَرَمْتُهُ ذَنْبًا نَحْوَ كَسَبْتُهُ إِيَّاهُ، وَيُقَالُ: أَجْرَمْتُهُ ذَنْبًا عَلَى نَقْلِ الْمُتَعَدِّي إِلَى مَفْعُولٍ بِالْهَمْزَةِ إِلَى مَفْعُولَيْنِ، كَقَوْلِهِمْ: أَكْسَبْتُهُ ذَنْبًا، وَعَلَيْهِ قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّه وَلَا يُجْرِمَنَّكُمْ بِضَمِّ الْيَاءِ، وَأَوَّلُ الْمَفْعُولَيْنِ عَلَى الْقِرَاءَتَيْنِ ضَمِيرُ الْمُخَاطَبِينَ. وَالثَّانِي: أَنْ تَعْتَدُوا، وَالْمَعْنَى لَا يَكْسِبَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ لِأَنْ صَدُّوكُمُ الِاعْتِدَاءَ وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ عَلَيْهِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: الشَّنَآنُ الْبُغْضُ، يُقَالُ: شَنَأْتُ الرَّجُلَ أشنؤه شنأ ومشنأ وَمَشْنَأَةً وَشَنَآنًا بِفَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِهَا، وَيُقَالُ: رَجُلٌ شَنَآنٌ وَامْرَأَةٌ شَنَآنَةٌ مَصْرُوفَانِ، وَيُقَالُ شَنَآنُ بِغَيْرِ صَرْفٍ، وَفَعَلَانُ قَدْ جَاءَ وَصْفًا وَقَدْ جَاءَ مَصْدَرًا.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ نَافِعٍ بِجَزْمِ النُّونِ الْأُولَى، وَالْبَاقُونَ بِالْفَتْحِ. قَالُوا: وَالْفَتْحُ أَجْوَدُ لِكَثْرَةِ نَظَائِرِهَا فِي الْمَصَادِرِ كَالضَّرَبَانِ وَالسَّيَلَانِ وَالْغَلَيَانِ وَالْغَشَيَانِ، وَأَمَّا بِالسُّكُونِ فَقَدْ جَاءَ فِي الْأَكْثَرِ وَصْفًا. قَالَ الْوَاحِدِيُّ: وَمِمَّا جَاءَ مَصْدَرًا قَوْلُهُمْ: لَوَيْتُهُ حَقَّهُ لَيَّانًا، وَشَنْآنٌ فِي قَوْلِ أَبِي عُبَيْدَةَ.
وَأَنْشَدَ لِلْأَحْوَصِ.
وَإِنْ عَابَ فِيهِ ذُو الشَّنْآنِ وَفَنَّدَا
فَقَوْلُهُ: ذُو الشَّنْآنِ عَلَى التَّخْفِيفِ كَقَوْلِهِمْ: إِنِّي ظَمْآنٌ، وَفُلَانٌ ظَمْآنٌ، بِحَذْفِ الْهَمْزَةِ وَإِلْقَاءِ حَرَكَتِهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: قرأ ابن كثير وأبو عمرو أَنْ صَدُّوكُمْ بِكَسْرِ الْأَلِفِ عَلَى الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ وَالْبَاقُونَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ، يَعْنِي لِأَنْ صَدُّوكُمْ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ هِيَ الِاخْتِيَارُ لِأَنَّ مَعْنَى صَدِّهِمْ إِيَّاهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مَنْعُ أَهْلِ مَكَّةَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنِ الْعُمْرَةِ، وَهَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ هَذَا الصَّدُّ مُتَقَدِّمًا لَا مَحَالَةَ عَلَى نُزُولِ هَذِهِ الآية.

صفحة رقم 282

مفاتيح الغيب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو عبد الله محمد بن عمر (خطيب الري) بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي

الناشر دار إحياء التراث العربي - بيروت
سنة النشر 1420
الطبعة الثالثة
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية