قوله تعالى : وَمَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ الآية.
قال المبرد١ :«يقال : أفاء يفيء، إذا رجع، وأفاء الله، إذا رده ».
وقال الأزهري٢ :«الفَيْء : ما رده الله على أهل دينه من أموالٍ بلا قتالٍ إما بأن يجلوا عن أوطانهم ويخْلُوهَا للمسلمين، أو يصالحون على جزيةٍ يؤدّونها عن رءوسهم، أو مال غير الجزية يفتدون به من سفكِ دمائهم، كما فعله بنو النضير حين صالحوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لكل ثلاثة منهم حمل بعير مما شاءوا سوى السلاح، ويتركوا الباقي، فهذا المال هو الفيءُ، وهو ما أفاء الله على المسلمين، أي : رده من الكفار على المسلمين ».
وقوله :«مِنْهُمْ » أي : من يهود بني النضير.
قوله : فَمَا أَوْجَفْتُمْ .
الفاء جواب الشرط، أو زائدة، على أنها موصولة متضمنة معنى الشَّرط، و«ما » نافية٣.
والإيْجَاف : حمل البعير على السَّير السريع، يقال : وجف البعير والفرس إذا أسرع، يَجِفُ وجْفاً ووَجِيفاً ووجفَاناً، وأوجفته أنا إيجافاً، أي : أتعبته وحركته.
قال العجاج :[ الرجز ]
| نَاجٍ طَوَاهُ الأيْنُ مِمَّا وجَفَا٤ | . . . . . . . . . . . . . . . . . . . |
| ألاَ رُبَّ رَكْبٍ قَدْ قطَعْتُ وجيفَهُمْ | إلَيْكَ ولوْلاَ أنْتَ لَمْ يُوجفِ الرَّكْبُ٥ |
«من » زائدة، أي : خيلاً، والرِّكاب : الإبل، واحدها : راحلة، ولا واحد لها من لفظها.
قال ابن الخطيب٦ : والعرب لا يطلقون لفظ الرَّاكب إلاَّ على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارساً.
والمعنى : لم تقطعوا إليها شُقَّة، ولا لقيتم بها حرباً ولا مشقة، وإنما كانت من «المدينة » على ميلين قاله الفراء. فمشوا إليها مشياً ولم يركبوا خيلاً، ولا إبلاً إلا النبي صلى الله عليه وسلم فقيل : إنه ركب جملاً.
وقيل : حماراً مخطُوماً بليفٍ، فافتتحها صُلْحاً.
قال ابن الخطيب٧ : إن الصحابة طلبوا من الرسول - عليه الصلاة والسلام - أن يقسم الفَيْءَ بينهم كما يقسم الغنيمة بينهم، فذكر الله - تعالى - الفرق بين الأمرين، وأن الغنيمة هي التي أتعبتم أنفسكم في تحصيلها، وأما الفيءُ فلم يوجف عليه بخيل ولا ركابٍ، فكان الأمر فيه مفوضاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء.
وها هنا سؤال، وهو أن أموال بني النَّضير أخذت بعد القتال ؛ لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، فوجب أن تكون تلك الأموال من جملة الغنائم لا من جملة الفيء ؟ فلهذا السؤال ذكر المفسرون ها هنا وجهين :
الأول : أن هذه الآية ما نزلت في قرى بني النضير ؛ لأنهم أوجفوا عليه بالخيل والرِّكاب، وحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون، بل هي فيء «فَدَك » ؛ لأن أهله انجلوا عنه، فصارت تلك القرى والأموال التي في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير حربٍ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ من غلَّة «فدك » نفقته ونفقة من يعوله، ويجعل الباقي للسِّلاح والكراع، فلما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ادعت فاطمة - رضي الله عنها - أنه كان نحلها «فدكاً »، فقال أبو بكر رضي الله عنه : أنت أعز الناس علي فقراً، وأحبهم إلي غنى، لكني لا أعرف صحة قولك، ولا يجوز لي أن أحكم بذلك، فشهدت لها أم أيمن ومولى للرسول صلى الله عليه وسلم فطلب منها أبو بكر الشَّاهد الذي يجوز شهادته في الشرع فلم يكن فأجرى أبو بكر ذلك على ما كان يجريه الرسول صلى الله عليه وسلم ينفق منه على من كان ينفق عليه الرسول، ويجعل ما يبقى في السلاح والكُراع.
وكذلك عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جعله في يد علي - رضي الله عنه - يجريه على هذا المجرى، ورد هذا في آخر عهد عمر - رضي الله عنه - وقال : إن بنا غنًى وبالمسلمين إليه حاجة.
وكان عثمان - رضي الله عنه - يجريه كذلك، ثم عاد إلى علي - رضي الله عنه - فكان يجريه هذا المجرى، والأئمة الأربعة - رضي الله عنهم - اتَّفقوا على ذلك.
والقول الثاني٨ : أن هذه الآية نزلت في بني النضير وقراهم، وليس للمسلمين يومئذ كثير خيل ولا ركاب، ولم يقطعوا إليها مسافة كبيرة، وإنما كانوا على ميلين من «المدينة »، فمشوا إليها مشاة، ولم يركب إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كانت المقاتلة قليلة، والخيل والركاب غير حاصل أجراه الله - تعالى - مجراه ما لم يحصل فيه المقاتلة أصلاً، فخص رسول الله صلى الله عليه وسلم بتلك الأموال فروي أنه صلى الله عليه وسلم قسمها بين المهاجرين، ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً منها إلا ثلاثة نفرٍ كانت بهم حاجة : أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحرث بن الصمة.
قال بعض العلماء : لما ترك بنو النضير ديارهم وأموالهم طلب المسلمون أن يكون لهم منها حظ كالغنائم، فبين الله - تعالى - أنها فيءٌ، وكان قد جرى بعض القتال ؛ لأنهم حوصروا أياماً، وقاتلوا وقتلوا، ثم صالحوا على الجلاء، ولم يكن قتالٌ على التحقيق، بل جرى مبادئ القتال، وجرى الحصار، فخص الله - تعالى - تلك الأموال برسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال مجاهد رضي الله عنه : علمهم الله - تعالى - وذكرهم أنه إنما نصر رسوله صلى الله عليه وسلم ونصرهم بغير كراع ولا عدة٩.
ولكن الله يسلط رسله على من يشاء من أعدائه.
وفي هذا بيان أن تلك الأموال كانت خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم دون أصحابه - رضي الله عنهم -.
قوله تعالى : مَا أَفَاءَ الله .
قال الزمخشري١٠ :«لم يدخل العاطف على هذه الجملة ؛ لأنها بيان للأولى، فهي منها غير أجنبية عنها ».
قال ابن عباس رضي الله عنهما : هي «قريظة » و«النضير »، وهما ب «المدينة » و«فدك » وهي على ثلاثة أميال من «المدينة » و«خيبر »، وقرى «عرينة » و«ينبع » جعلها الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم وبين أن في ذلك المال الذي خصه الله - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم سُهماناً لغير الرسول صلى الله عليه وسلم تطييباً منه لعباده١١.
فصل في المراد بذي القربى :
قال ابن الخطيب١٢ : أجمعوا على أن المراد بذي القربى بنو هاشم، وبنو المطلب.
وقال القرطبي١٣ : وقد تكلم العلماء في هذه الآية والتي قبلها على معناهما هل معناهما واحد أو مختلف، والآية التي في الأنفال ؟.
فقال بعضهم : إن قوله تعالى : مَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى منسوخ بآية «الأنفال » من كون الخمس لمن سمي له، والأخماس الأربعة لمن قاتل، وكان في أول الإسلام تقسم الغنيمة على هذه الأصناف، ولا يكون لمن قاتل عليها شيء، وهذا قول يزيد بن رومان، وقتادة وغيرهما، ونحوه عن مالك رضي الله عنه.
وقال بعضهم : ما غنمتم بصُلْح من غير إيجاف خيل، ولا ركاب، فيكون لمن سمى الله تعالى فيه فيئاً، الأول للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة إذا أخذ منه حاجته كان الباقي في مصالح المسلمين.
وقال معمر رضي الله عنه : الأولى : للنبي صلى الله عليه وسلم. والثانية : هي الجزية والخراج للأصناف المذكورة فيه. والثالثة : الغنيمة في سورة «الأنفال » للغانمين.
وقال الشافعي رضي الله عنه وبعض العلماء : إنَّ معنى الآيتين واحد، أي : ما حصل من أموال الكفار بغير قتال قسم على خمسة أسهمٍ، أربعة منها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويقسم الخمس الباقي على خمسة أسهمٍ ؛ سهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضاً، وسهم لذوي القُرْبى، وهم بنو هاشم، وبنو المطلب ؛ لأنهم منعوا الصدقة، فجعل لهم حق في الفيء. وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل.
وأما بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فالذي كان من الفيء لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف عند الشافعي - رضي الله عنه - في قول إلى المجاهدين المترصّدين للقتال في الثُّغُور ؛ لأنهم القائمون مقام الرسول صلى الله عليه وسلم.
وفي قول آخر : يصرف إلى مصالح المسلمين من سد الثُّغور، وحفر الأنهار، وبناء القناطر، يقدم الأهم فالأهم، وهذا في أربعة أخماس الفيء.
فأما السهم الذي كان له من خمس الفيء والغنيمة فهي لمصالح المسلمين بعد موته صلى الله عليه وسلم بلا خوف، كما قال صلى الله عليه وسلم :«لَيْسَ لي مِنْ غَنائِمكُمْ إلاَّ الخمسُ، والخمسُ مردودٌ فِيْكُم ».
وكذلك ما خلفه من المال غير موروث، بل هو صدقة عنه يصرف في مصالح المسلمين، لقوله صلى الله عليه وسلم :«إنَّا لا نُورثُ ما تركناهُ صدقة ».
وقيل : كان مال الفيء لنبيه صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى : وَمَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ فأضافه إليه، غير أنه كان لا يتأثّل مالاً، إنما كان يأخذ بقدر حاجة عياله، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.
قال ابن العربي رحمه الله١٤ : لا إشكال أنها ثلاثة معانٍ في ثلاث آيات :
فالآية الأولى وهي قوله تعالى : هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر [ الحشر : ٢ ]، ثم قال تعالى : وَمَا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ يعني : من أهل الكتاب معطوفاً عليهم فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ يريد - كما بينا - فلا حق لكم فيه، ولذلك قال عمر : كانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يعني بني النضير، وما كان مثلها فهذه آية واحدة، ومعنى متحد.
الآية الثانية : قوله تعالى : ما أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ، وهذا كلام مبتدأ غير الأول لمستحق غير الأول وسمى الآية الثانية آية الغنيمة، ولا شك في أنه معنى آخر باستحقاق آخر لمستحق آخر، بيد أن الآية الأولى والثانية مشتركتان في أن كل واحدة منهما تضمنت شيئاً أفاء الله على رسوله، واقتضت الآية الأولى أنه حاصل بغير قتال، واقتضت آية «الأنفال » أنه حاصل بقتال، وعريت الآية الثالثة وهي قوله تعالى : مَّا أَفَاءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى ، عن ذكر حصوله بقتال، أو بغير قتال، فمن ها هنا نشأ الخلاف.
فقالت طائفة : هي ملحقة بالأولى، وهو مال الصُّلح كله ونحوه.
وقالت طائفة : هي ملحقة بآية «الأنفال »، واختلفوا هل هي منسوخة كما تقدم أو محكمة ؟.
قال القرطبي١٥ :«وإلحاقها بالتي قبلها ؛ لأن فيه تجديد فائدة ومعنى ».
وقد قيل : إن سورة «الحشر » نزلت بعد «الأنفال »، ومن المُحَال أن ينسخ المتقدم المتأخر.
فصل في أموال الأئمة والولاة
الأموال التي للأئمة والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب :
الأول : ما أخذ من المسلمين على طريق التَّطهير لهم كالصَّدقات والزكوات.
والثاني : الغنائم، وهو ما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكفار بالحرب والقهر والغلبة.
والثالث : الفيء، وهو ما رجع للمسلمين من أموال الكفار عفواً صفواً من غير قتال، ولا إيجاف كالصلح والجزية والخراج والعُشُور والمأخوذ من تجار الكفار.
ومثله أن يهرب المشركون، ويتركون أموالهم، أو يموت منهم أحد في دار الإسلام ولا وارث له.
فأما الصدقة فمصرفها الفقراء والمساكين والعاملون عليها حسب ما ذكره تعالى في سورة التوبة١٦.
و
٢ ينظر: تهذيب اللغة ٥/٧٨..
٣ ينظر: الدر المصون ٦/٣٩٤..
٤ وبعده:
| طيّ الليالي زُلفا فزلفا | سماوة الهلال حتى احقوقفا |
٥ ينظر البحر ٨/٢٤٠، والدر المصون ٦/٢٦٤..
٦ ينظر "التفسير الكبير" (٢٩/٢٤٧)..
٧ ينظر المصدر السابق..
٨ ينظر: الفخر الرازي (٢٩/٢٤٨)..
٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٨٤)، عن مجاهد وعزاه إلى عبد بن حميد..
١٠ الكشاف ٤/٥٠٢..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١٢/٣٥)، عن ابن عباس بمعناه وذكره القرطبي في "تفسيره" (١٨/١٠)..
١٢ التفسير الكبير ٢٩/٢٤٨..
١٣ الجامع لأحكام القرآن ١٨/١٠، ١١..
١٤ ينظر: أحكام القرآن ٤/١٧٧٢..
١٥ الجامع لأحكام القرآن ١٨/١١..
١٦ آية ٦٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود