الفيء كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب أي لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم، فأفاءه الله على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما يشاء فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح، التي ذكرها الله عزّ وجلّ في هذه الآيات فقال تعالى : وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ أي من بني النضير، فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ يعني الإبل، ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أي هو قدير لا يغالب ولا يمانع بل هو القاهر لكل شيء، ثم قال تعالى : مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى أي جميع البلدان التي تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير، ولهذا قال تعالى : فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إلى آخرها والتي بعدها، فهذه مصاريف أموال الفيء ووجوهه.
روى الإمام أحمد، عن عمر رضي الله عنه قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فكانت لرسول الله ﷺ خالصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنته، وما بقي جعله في الكُرَاع والسلاح في سبيل الله عزّ وجلّ. وقوله تعالى : كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ أي جعلنا هذه المصارف لمال الفيء كيلا يبقى مأكلة يتغلب عليها الأغنياء، ويتصرفون فيها بمحض الشهوات والآراء، ولا يصرفون منه شيئاً إلى الفقراء.
وقوله تعالى : وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتبنوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر. عن مسروق قال : جاءت امرأة إلى ابن مسعود فقالت : بلغني أنك تنهى عن الواشمة والواصلة أَشيء وجدته في كتاب الله تعالى أو عن رسول الله ﷺ ؟ قال : بل شيء وجدته في كتاب الله وعن رسول الله ﷺ، قالت : والله لقد تصفحت ما بين دفتي المصحف، فما وجدت فيه الذي تقول، قال : فما وجدتِ فيه : وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ؟ قالت : بلى، قال : فإني سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن الواصلة والواشمة والنامصة، قالت : فلعله في بعض أهلك، قال : فادخلي فانظري، فدخلت فنظرت، ثم خرجت، قالت : ما رأيت بأساً، فقال لها : أما حفظت وصية العبد الصالح : وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ [ هود : ٨٨ ]. وقال الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال : لعن الله الواشمات والمستوشمات والمتنمصات والمتفلجات للحُسْن، المغيرات خلق الله عزّ وجلّ.
قال : فبلغ امرأة من بني أسد في البيت يقال لها أُم يعقوب، فجاءت إليه فقالت : بلغني أنك قلت كيت وكيت، قال : ما لي لا ألعن من لعن رسول الله ﷺ وفي كتاب الله تعالى؟ فقالت : إني لأقرأ ما بين لوحيه فما وجدته، فقال : إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أما قرأت : وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا ، قالت : بلى؟ قال : فإن رسول الله ﷺ نهى عنه، قالت إني لأظن أهلك يفعلونه، قال : اذهبي فانظري، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئاً، فجاءت فقالت : ما رأيت شيئاً، قال : لو كان كذا لم تجامعنا. وقد ثبت أن رسول الله ﷺ قال :« إذا أمرتكم بأمر فائتوا منه ما استطعتم وما نهيتكم عنه فاجتنبوه » وقوله تعالى : واتقوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ العقاب أي اتقوه في امتثال أوامره وترك زواجره، فإنه شديد العقاب لمن عصاه وخالف أمره وأباه، وارتكب ما عنه زجره ونهاه.
صفحة رقم 2522تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب بن عبد الرزاق بن محيي الدين الرفاعي الحلبي