ثم ذكر أن كل شىء بقضاء الله وقدره فقال:
(ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ) أي أىّ شىء قطعتموه من النخل أو أبقيتموه كما كان ولم تتعرضوا له بشىء فذلك بأمر الله الذي بلّغه إليكم رسوله لتطهر البلاد من شرورهم.
روى أنه عليه الصلاة والسلام حين أمر بقطع نخلهم وحرقه قالوا: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد فى الأرض، فما بال قطع النخل وتحريقها، وكان فى أنفس المؤمنين من ذلك شىء فقالوا لنسألنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لنا فيما قطعنا من أجر؟ وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله الآية:
(وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ) أي فعل ذلك ليعزّ المؤمنين، وليخزى الفاسقين، ويذلهم ويزيد غيظهم، ويضاعف حسرتهم، بنفاذ حكم أعدائهم فى أعزّ أموالهم.
والخلاصة- إنكم بأمر الله قطعتم، ولم يكن ذلك فسادا بل نعمة من الله، ليخزيهم ويذلهم بسبب فسقهم وخروجهم من طاعة الله ومخالفة أمره ونهيه.
[سورة الحشر (٥٩) : الآيات ٦ الى ٧]
وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧)
شرح المفردات
قال المبرد: يقال فاء يفىء إذا رجع، وأفاءه الله إليه: أي رده وصيره إليه، والفيء شرعا: ما أخذ من أموال الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب كأموال بنى النضير، ويقال وجف الفرس والبعير يجف وجفا ووجيفا: إذا أسرع، وأوجفه صاحبه إذا حمله على السير السريع والركاب: ما يركب من الإبل، واحدتها راحلة، ولا واحد لها من لفظها، والعرب لا تطلق لفظ الراكب إلا على راكب البعير، ويسمون راكب الفرس فارسا، يسلط رسله: أي على أعدائه من غير قتال ولا مصاولة بل بإلقاء الرعب فى القلوب، فيكون الفيء للرسول يصرفه فى مصارفه التي ستعلمها بعد، من أهل القرى: أي من أهل البلدان التي تفتح هكذا بلا قتال، ولذي القربى:
أي بنى هاشم وبنى المطلب، قال المبرد: الدّولة (بالضم) الشيء الذي يتداوله القوم بينهم يكون كذا مرة وكذا أخرى، والدّولة (بالفتح) انتقال حال سارّة من قوم إلى قوم، أي فالأولى اسم لما يتداول من المال، والثانية اسم لما ينتقل من الحال، آتاكم: أي أعطاكم، وما نهاكم عنه. أي ما منعكم عن فعله.
المعنى الجملي
بعد أن بين سبحانه ما حلّ ببني النضير من العذاب العاجل كتخريب بيوتهم بأيديهم وتحريق نخيلهم وتقطيعها، ثم إجلائهم من بعد ذلك عن الديار إلى الشام دون أن يحملوا إلا القليل من المتاع- ذكر هنا حكم ما أخذ من أموالهم، فجعله فيئا لله ورسوله ينفق منه على أهله نفقة سنة ثم يجعل ما بقي فى السلاح والكراع عدّة فى سبيل الله، ولا يقسم بين المقاتلة كالغنيمة، لأنهم لم يقاتلوا لأجله.
روى أن الصحابة رضى الله عنهم طلبوا من الرسول ﷺ أن يقسم الفيء بينهم كما قسم الغنيمة فى بدر وغيرها بينهم، فبين سبحانه الفرق بين
الأمرين، بأن الغنيمة تكون فيما أتعبتم أنفسكم فى تحصيله وأوجفتم عليه الخيل والركاب، والفيء فيما لم تتحملوا فى تحصيله تعبا، وحينئذ يكون أمره مفوّضا إلى الرسول يضعه حيث يشاء.
الإيضاح
(وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) أي ما صيره الله إلى رسوله من أموال بنى النضير فهو لله ورسوله، ولا يجعل غنيمة للجيش يقسم تقسيم الغنائم، لأنه لم تقاتل فيه الأعداء بالمبارزة والمصاولة، بل نزلوا على حكم الرسول فرقا ورعبا، ولهذا يصرف فى وجوه البر والمنافع العامة التي ذكرها الله فى هذه الآيات.
أخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن عمر بن الخطاب قال: «كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله تعالى على رسوله خاصة، فكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي فى السلاح والكراع عدّة فى سبيل الله تعالى».
(وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ) أي ولكن جرت سنة الله أن يسلط رسله على من يشاء من أعدائه ويقذف الرعب فى قلوبهم، فيستسلمون لهم بلا قتال ولا مصاولة، كما سلط محمدا ﷺ على هؤلاء فنزلوا على حكمه دون اقتحام مضايق الخطوب، ولا مقاومة شدائد الحروب، فلا حق للمقاتلة فى الفيء بل يكون أمره مفوضا إلى الرسول يصرفه كيف شاء، ولا يقسمه تقسيم الغنائم.
(وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فيفعل ما يشاء كما يشاء، تارة على ما يعهد من السنن وأخرى على غير ما يعهد منها كما جرى لبنى النضير من استسلامهم بلا قتال على
مناعة حصونهم وكثرة عددهم وعددهم من سلاح وكراع، وما كان المسلمون يظنون أن هذا سيكون.
وبعد أن أتمّ الكلام فى إجلاء بنى النضير وفيئهم أعقبه بالكلام فى حكم ما أفاء الله على رسوله من قرى الكفار عامة فقال:
(ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) أي ما رده الله إلى رسوله من كفار أهل القرى كقريظة والنّضير وفدك وخيبر، فيصرف فى وجوه البر والخير ولا يقسم تقسيم الغنائم، بل يعطى للرسول ولذوى قرباه من مؤمنى بنى هاشم وبنى المطلب، ولليتامى الفقراء، وللمساكين ذوى الحاجة والبؤس، ولابن السبيل الذي انقطع عنه ماله، ولا يمكن أن يصل إليه لبعد الشّقّة وانقطاع طرق المواصلات، وقد كان ذلك حين كانت طرق الوصول شاقة، لكنها الآن سهلة وهى على أساليب شتى، فيمكن المرء أن يطلب ما شاء بحوالة على أي مصرف فى أي بلد على سطح الكرة الأرضية، ومن ثم فهذا النوع لا يوجد الآن.
ثم علل هذا التقسيم بقوله:
(كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ) أي وإنما حكمنا بذلك وجعلناه مقسما بين هؤلاء المذكورين، لئلا يأخذه الأغنياء ويتداولوه فيما بينهم، ويتكاثروا به، كما كان ذلك دأبهم فى الجاهلية، ولا يصيب الفقراء من ذلك شىء.
(وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) أي وما أعطاكم الرسول من الفيء وغيره فخذوه فهو لكم حلال، وما نهاكم عنه فابتعدوا عنه ولا تقربوه، فإن الرسول لا ينطق عن الهوى كما قال سبحانه: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ».
أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي فى جماعة عن ابن مسعود قال: «لعن الله
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي