كل من يحاده ويحاد رسوله فإنه ينزل به أشد أنواع العقوبات.
٤- عفو الله تعالى على المجتهد إذا أخطأ وعدم مؤاخذته، فقد اجتهد المؤمنون في قطع نخل بني النضير من أجل إغاظتهم حتى ينزلوا من حصونهم. وأخطأوا في ذلك إذ قطع النخل المثمر فساد، ولكن الله تعالى لم يؤاخذهم لأنهم مجتهدون.
وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦) مَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)
شرح الكلمات:
وما أفاء الله على رسوله منهم: أي وما رد الله ليد رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مال بني النضير.
١ فما أوجفتم عليه من خيل ولا: أي أسرعتم في طلبه والحصول عليه خيلاً ولا إبلاً أي لم تعانوا فيه مشقة.
ركاب
ولكن الله يسلط رسله على من يشاء: أي وقد سلط رسول الله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على بني النضير ففتح بلادهم صلحاً.
وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى: أي وما رد الله على رسوله من أموال أهل القرى التي لم يوجف عليها بخيل ركابٍ.
فلله وللرسول ولذي القربى: أي لله جزء وللرسول جزء ولقرابة الرسول جزء ولليتامى جزء وللمساكين
واليتامى والمساكين وابن جزء ولابن السبيل جزء تقسم على المذكورين
السبيل بالسوية.
كي لا يكون دولة بين الأغنياء: أي كيلا يكون المال متداولاً بين الأغنياء الأقوياء ولا يناله الضعفاء والفقراء.
منكم
وما آتاكم الرسول فخذوه وما: أي وما أعطاكم الرسول وأذن لكم فيه أو أمركم به فخذوه وما نهاكم عنه
نهاكم عنه فانتهوا وحظره عليكم ولم يأذن لكم فيه فانتهوا عنه.
واتقوا الله إن الله شديد العقاب: أي واتقوا الله فلا تعصوه ولا تعصوا رسوله واحذروا عقوبة الله على معصيته ومعصية رسوله فإن الله شديد العقاب.
معنى الآيات:
ما زال السياق الكريم في غزوة بني النضير إنه بعد الصلح الذي تم بينهم وبين رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقد تركوا حوائطهم أي بساتينهم فيئاً لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ورغب المسلمون في تلك البساتين ورأى بعضهم أنها ستقسم عليهم كما تقسم الغنائم فأبى الله تعالى ذلك عليهم وقال: وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ أي وما رد الله تعالى على رسوله من مال بني النضير. وكلمة رد تفسير لكلمة أفاء لأن الفيء الظل يتقلص ثم يرجع أي يرد وأموال بني النضير الأصل فيها لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأن بني النضير عاهدوا رسول الله وبمقتضى المعاهدة أبقى عليهم أموالهم فإذا تقضوا العهد وخانوا لم يستحقوا من المال شيئاً لا سيما وأنهم تآمروا على قتله وكادوا ينفذون جريمتهم التي تحملوا تبعتها ولو لم ينفذوها. وبداية القضية كالتالي:
أن المعاهدة التي تمت بين الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبين بني النضير من جملة بنودها أن يؤدوا مع الرسول ما يتحمل من ديات. وبعد وقعة أحد بنصف سنة حدث أن عمرو بن أمية الضمري قتل خطأ رجلين من بني كلب أو بني كلاب فجاء ذووهم يطالبون بديتهم من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ هو المسئول عن المسلمين فخرج صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى بني النضير في قريتهم١ التي تبعد عن المدينة بميلين يطالب بالإسهام في دية الرجلين الكلابيين بحكم المعاهدة فلما انتهى إليهم أنزلوه هو وأصحابه بأحسن مجلس وقالوا ما تطلبه هو لك يا أبا القاسم ثم خلوا بأنفسهم وقالوا أن الفرصة سانحة للتخلص من الرجل فجاءوا برحىً (مطحنة) من صخرة وطلعوا بها إلى سطح المنزل وهموا أن يسقطوها على رأس رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو جالس في ظل الجدار مع أصحابه، وقبل أن يسقطوا الرحى أوحى الله إلى رسوله أن قم من مكانك فإن اليهود أرادوا إسقاط حجر عليك ليقتلوك فقام صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على الفور
وتبعه أصحابه وسقط في أيدي اليهود. وما إن رجع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى أعلن الخروج إلى بني النضير فإنهم نقضوا عهدهم ووجب قتالهم فنزل بساحتهم وحاصرهم وجرت سفارة وانتهت بصلح يقضى بأن يجلوا بني النضير عن المدينة يحملون أموالهم على إبلهم دون السلاح ويلتحقوا بأذرعات بالشام فكان هذا أول حشر لهم إلى أرض المعاد والمحشر إلا أسرتين نزلتا بخيبر أسرة بني الحقيق الذين منهم حيي بن أخطب والد صفية زوج الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. ولهذه الغزوة بقيت ستأتي عند قوله تعالى أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الآيات.
من هنا علمنا أن مال بني النضير هو لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفاءه الله عليه فقال وما أفاء الله على رسوله منهم أي من بني النضير. ولما طمع المؤمنون فيه قال تعالى رداً عليهم فما أوجفتم١ عليه أي على أموال بني النضير أي ما ركبتم إليه خيلاً ولا إبلاً ولا أسرعتم عدواً إليهم لأنهم في طرف المدينة فلم تتحملوا سفراً ولا تعباً ولا قتالاً موتاً وجراحات فلذا لا حق لكم فيها فإنها فيء وليست بغنائم. ولكن الله٢ يسلط رسله على من يشاء بدون حرب ولا قتال فيفيء عليهم بمال الكفرة الذي هو مال الله فيرده على رسله، وقد سلط الله حسب سنته في رسله محمداً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على أعدائه بني النضير فحاز المال بدون قتال ولا سفر فهو له دون غيره ينفقه كما يشاء ومع هذا فقد أنفقه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولم يبق منه إلا قوت سنة لأزواجه رضي الله عنهن وأرضاهن. وقوله تعالى وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لا يمتنع منه قوى، ولا يتعزز عليه شريف سرى.
وقوله تعالى مَا أَفَاءَ اللهُ٣ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أي من أموال أهل القرى التي ما فتحت عنوة ولكن صلحاً فتلك الأموال تقسم فيئاً على مل بين تعالى فلله وللرسول ولذي القربى أي قرابة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم بنو هاشم وبنو المطلب. واليتامى الذين لا عائل لهم، والمساكين الذين مسكنتهم الحاجة وابن السبيل وهو المسافر المنقطع عن بلاده وداره وماله؟ وعلة ذلك بينها تعالى بقوله كَيْ لا يَكُونَ أي المال دُولَةً٤ أي متداولاً بين الأغنياء منكم، ولا يناله الضعفاء والفقراء فمن الرحمة والعدل أن يقسم الفيء لعى هؤلاء الأصناف المذكورين وما لله فهو ينفق في المصالح العامة وكذلك ما للرسول بعد وفاته صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والباقي للمذكورين، وكذا خمس الغنائم فإنه يوزع على المذكورين في هذه الآية أما الأربعة أخماس فعلى المجاهدين.
٢ في الكلام حذف اقتضاه الإيجاز إذ التقدير: ولكن الله سلط عليهم رسوله، والله يسلط رسله على من يشاء.
٣ هذه الآية بداية كلام مستأنف ابتدائياً فالأولى كانت بخاصة قسمة أموال بني النضير، وأما هذه فهي في بيان حكم الفيء في الإسلام.
(دولة) : ما يتداوله المتداولون، والتداول: التعاقب في التصرف في شيء وأصبحت خاصة بتداول الأموال.
وقوله تعالى: وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ من مال وغيره فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ أي من مال وغيره فانتهوا عنه واتقوا الله فلا تعصوه ولا تعصوا رسوله وأحذروا عقابه فإن الله شديد العقاب أي معاقبته قاسية شديدة لا تطاق فيا ويل من تعرض لها بالكفر والفجور والظلم.
هداية الآيات:
من هداية الآيات:
١- بيان أن مال بني النضير كان فيئاً خاصاً برسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
٢- أن الفيء وهو ما حصل عليه المسلمون بدون قتال١ وإنما بفرار العدو وتركه أو بصلح يتم بينه وبين المسلمين هذا الفيء يقسم على ما ذكر تعالى في هذه الآية إذ قال وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله، وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. وأما الغنائم وهي ما أخذت عنوة بالقوة وسافر إليها المسلمون فإنها تخمس خمس لله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل يوزع بينهم بالسوية، والأربعة الأخماس الباقية تقسم على المجاهدين الذين شاركوا بالمعارك وخاضوها للراجل قسم وللفارس قسمان.
٣- وجوب طاعة رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتطبيق أحكامه والاستنان بسنته المؤكدة وحرمة مخالفته فيما نهى عنه أمته روى الشيخان أن ابن مسعود رضي الله عنه قال لعن الله الواشمات٢ والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله فبلغ ذلك امرأة من أسد يقال لها أم يعقوب كانت تقرأ القرآن فقالت بلغني أنك لعنت كيت وكيت. فقال: مالي لا ألعن من لعن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في كتاب الله عز وجل؟ فقالت لقد قرأت ما بين لوحي المصحف فما وجدته، قال إن كنت قرأته فقد وجدته. أما قرأت قوله تعالى وَمَا آتَاكُمُ٣ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا قالت: بلى. قال: فإنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد نهى عنه. أي الوشم الخ..
لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ
٢ الوشم معروف، ملعونة فاعلته والمفعول لها، والتنمص نتف الشعر من الوجه والتفلج توسعة ما بين الأسنان بمنشار وغيره للتجمل بذلك.
٣ الإيتاء: مستعار لتبليغ الأمر إليهم إذ جعل تشريعه وتبليغه كإيتاء شيء بأيديهم كقوله تعالى: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ إذ يريد التشريع الذي شرعه لهم في التوراة.
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
جابر بن موسى بن عبد القادر بن جابر أبو بكر الجزائري