قوله تعالى : ومَا أفَاءَ اللهُ على رَسُولِهِ مِنْهُم فَمَا أوْجَفْتُم عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ ولاَ رِكَابٍ ، الآية :[ ٦ ] : كانت لرسول الله عليه الصلاة والسلام خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله، ولم يكن لأحد فيه حق إلا لمن جعله النبي عليه الصلاة والسلام.
ولما ذكر ما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، ذكر ما أوجف عليه المسلمون(١)، فقال تعالى : مَا أفاء اللهُ عَلى رسُولِهِ مِن أهْلِ القُرَى فَلِلّهِ ولِلرَسُولِ ، الآية :[ ٧ ]، وذلك يمنع تنزيهاً للغانمين، ثم نسخ ذلك بقوله : واعْلَموا أنّما غنِمْتُم مِن شَيءٍ(٢) .
ولما فتح عمر العراق، سأل قوم من الصحابة قسمتها بينهم، فقال : إن قسمتها بينهم بقي آخر الناس لا شيء لهم، واحتج عليهم بهذه الآية إلى قوله : والّذيِنَ جَاءُوا مِنْ بَعْدهِمِ(٣) ، الآية :[ ١٠ ]، وشاور علياً في ذلك، فأشار عليه بترك القسمة، وأن يقر أهلها عليها، وأن يضع الخراج عليها، ففعل، فقال أصحاب أبي حنيفة : فالآية غير منسوخة إذاً، فإنها غير مضمومة إلى آية الغنيمة في الأراضي المفتتحة، فإن رأى قسمتها أصلح وأعود على المسلمين فعل، ثم قال : وتقدير الآيتين : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه في الأموال سوى الأرضين، وفي الأرضين إذا اختار الإمام ذلك.
والذي ذكروه بعيداً جداً، فإن قوله : والذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِم ، ليس لهم حق في الغنيمة، وأن غير من شهد الوقعة يستحق، والعجب أن الذين هم في الحياة لا يستحقون إذا لم يشهدوا الوقعة، فكيف يستحق من جاء بعدهم، فدل أن معنى الآية ظاهرها وهو قوله : والّذينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدهِم يقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنَا ولإخوَانِنَا الّذينَ سَبَقُونا بِالإيمَانِ ، الآية :[ ١٠ ]، وهو ندب الآخرين إلى الثناء على الأولين، فدل أن الحق ما قاله الشافعي، إن ما كان غنموه من الأراضي وغيرها فخمسها لأهله وأربعة أخماسها للغانمين، فمن طابت نفسه عن حقه فللإمام أن يجعلها وقفاً عليهم، ومن لم تطب نفسه فهو أحق بما له، وعمر رضي الله عنه استطاب نفوس الغانمين واشتراها منهم(٤).
٢ - سورة الأنفال، آية ٤١..
٣ - انظر تفسير الطبري، وابن كثير، والدر المنثور للسيوطي..
٤ - راجع تفسير القرطبي تفسير سورة الحشر..
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي