وبعد ذلك يقول الحق سبحانه :
وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ( ١٠٠ ) .
ومادة الجن هي ( الجيم ) و ( النون ) وكلها تدل على الستر والتغطية والتغليف، ومنها الجنون، لأن العقل في هذه الحالة يكون مستورا، ونحن لا نرى الجن، فهم مستورون، والملائكة كذلك، والمادة كلها مادة ( الجيم ) و ( النون ) تدل على اللف والتغطية.
وجعلوا لله شركاء الجن و ( الجن ) هو الخفي من كل شيء، والجن – كما تعلمون – هم خلق من خلق الله فسبحانه خلق الإنس وخلق الجن، خلق الجن مستورا حتى لا نعتقد أن خلق الله لحي كائن، يجب أن يتمثل في هذا القالب المادي، بل سبحانه يخلق ما شاء كما شاء، فيخلق أشياء مستورة لا ترى، ولها حياة، ولها تناسل، ويخلق أشياء مستورة، ولا تناسل لها : كل ذلك بطلاقة قدرة الحق سبحانه، ليقرب لنا هذه القضية ؛ لأن عقولنا قد تقف في بعض الأشياء التي لا تدرك ولا ترى ؛ لأننا لا نعلم وجودا لشيء إلا إذا أحسسناه.
إن الحق سبحانه يوضح ذلك : فإياك أن تظن أنك تستطيع أن تدرك كل ما خلقه الله، فليس حسك هو الوسيلة الوحيدة للإدراك لأن حسك له قوانين تضبطه، فأنت ترى، ولكنك ترى بقانون، بحيث إذا بعد المرئي عنك امتدادا فوق امتداد بصرك فلا تراه وكذلك أذنك تسمع، فإن بعد الصوت أو مصدر الصوت عنك بحيث لا تصل الدبدبة إليك، فلا تسمع، كذلك عقلك، قد تفهم أشياء ولا تفهم أشياء أخرى، ثم ضرب لنا في وجودنا المادي أمثالا تقرب لنا ذلك الخلق الخفي من الجن ومن الملائكة.
لقد وجدنا العقل البشري قد هداه الله الذي قدر فهدى، إلى أن يكتشف شيئا اسمه ( الميكروب ) و ( الميكروب ) كائن حي دقيق جدا بحيث إن البصر العادي لا يدركه، ولكنه كان موجودا، وفعل الأفاعيل في الناس ودخل في أجسامهم دون أن يشعروا كيف دخل وعمل فيهم وفي صحتهم ما عمل من الهلاك والموت مثل أمراض الطاعون والكوليرا وغيرها، ومع ذلك فالميكروب كان موجودا ومن جنس وجودنا، أي هو مادة وله حياة وله فعل، وله نفوذ في الهيكل الذي يدركه وهو الإنسان.
وهكذا رأينا أن شيئا خفيا لا يدرك ويهدد إنسانا ضخما يدرك، فهل معنى اكتشاف الميكروب أننا أوجدناه ؟ لا، إن وجود الميكروب شيء، وإدراك وجود شيء آخر، وإذا حللنا ( الميكروب ) نجد أنه مادة الإنسان ولكنه دقيق جدا حتى إن العين المجرد لا تراه، فلما اكتشف المجهر وكبرناه عرفناه، وهذا الكائن الحي إن كنت لا تراه، فعدم رؤيتك له سابقا لا تعني أنه غير موجود، بل هو موجود ولكنك لم تدركه، ثم اكتشفت – أيها الإنسان – آلة جعلتك تدركه، ولنعرف أن وجود شيء لا يعني أنك من الضروري أن تدركه، فإذا قال الله لك : لي ملائكة من خلقي، ولي جن من خلقي، ولكنكم لا ترونهم وهم يرونكم، نقول : صدقت يا ربي، لأن شيئا من جنس مادتنا كان موجودا ولا نراه ثم بعد ذلك رأيناه.
إذن فالأشياء التي نكتشفها الآن هي دليل على صدق البلاغ القرآني بما أخبر به من الأمور الغيبية، الجن مستور، والمادة كلها – كما بينا – تدل على الستر فالجنون غياب العقل، وجن الليل، أي ستر وغطى، والجنة لأن فيها أشجارا وغير ذلك بحيث لا يظهر الذي يسير فيها فتكون ساترة لمن يدخلها.
إذن المادة كلها تدل على الستر، وهل الذي نتعجب منه أنهم جعلوا الجن شركاء، أو أن التعجيب ليس من جعل الجن شركاء بل من اتخاذ مبدأ الشركاء، سواء أكان جنا أم غير جن، إن التعجيب هنا من المبدأ نفسه، فنحن لا نعترض فقط على أن الجن شركاء، بل نحن نعترض على المبدأ نفسه، أن يكون لله شريك من جن أو من ملائكة أو من غير ذلك، ولهذا قدم المجعول – وهو شريك – على المجعول منه – وهو الجن – مع أن العادة أن يقدم المجعول منه على المجعول، فتقول جعلت الطين إبريقا أي : أن الطين كان موجودا، وأخذت منه الذي لم يكن موجودا وهو الإبريق.
ثم هل كان الشركاء موجودين وطرأ الجن عليهم ؟ أو كان الجن موجودا وطرأ الشركاء عليهم ؟ في هذه الحالة كان يجب القول : وجعلوا الجن لله شركاء، إذن فالعجيبة ليس في أن يكون الجن شركاء، العجيبة في المبدأ نفسه، وكيف ترد فكرة الشركاء على أذهانهم سواء أكان الشركاء من الجن أم من غير ذلك، ولهذا قال سبحانه : وجعلوا لله شركاء وساعة تسمعها تقول : أعوذ بالله ( جعلوا لله شركاء ) ! ! ولا يهمك من هم الشركاء ؛ لأن مطلق مجيء شريك لله هو الأمر العجيب، سواء كان من الجن أم من الملائكة وكيف جعلوا الجن شركاء ؟ ألم يقل الحق في كتابه إن إبراهيم قال :
يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمان عصيا ( ٤٤ ) ( سورة مريم ).
وما هي العبادة ؟ العبادة هي أن يطيع العابد المعبود فيما يأمره به، وما داموا يطيعون الشياطين في وسوستهم فكأنهم عبدوهم، ولذلك يقول الحق سبحانه : ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ( ٤٠ ) ( الآية ٤٠ سورة سبأ ).
فقالت الملائكة : قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ( ٤١ ) ( سورة سبأ ).
وكيف كانوا يعبدون الجن ؟ إنهم كانوا يطيعونهم فيما يأمرونهم به وينهونهم عنه ؛ لأن العبادة هي الطاعة، وأنت أيها العابد لا تقترح العبادة بل تنظر فيما طلب منك أن تتقرب به إلى المعبود، إذن ( افعل ولا تفعل ) هي الأصل.
وجعلوا لله شركاء الجن ولماذا جاءوا لله بشركاء ؟ لماذا لم يعبدوهم وحدهم ويستبعدوا لله من العبادة ؟ لأن وجود شريك دليل على الاعتراف بالله أيضا فلماذا جعلوا له شركاء ؟ لماذا لم يلحدوا وينكروا ويكفروا بالله وتنتهي المسألة ؟ لا. لم يفعلوا ذلك ؛ لأنهم رأوا أن الشركاء ليس لهم مطلوبات تعبدية وحين عبدوها – مثلا – لم تقل لهم ( افعلوا ) و ( لا تفعلوا ) وليس هناك منهج لإتباعه، لكن أحداثا فوق أسبابهم ولا يستطيعون لها دفعا قد تحدث فلمن يجأرون ؟ أللآلهة التي يعتقدون كذبها وبهتانها وأنها لا تنفع ولا تضر ؟ لذلك احتفظوا باعترافهم بالله ليلجأوا إليه فيما لا يقدرون على دفعه لا هم ولا من اتخذوهم شركاء، ولذلك يقول الحق :
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه ( من الآية ١٢ سورة يونس )
كأنه يريد عبادة الله للمصلحة فقط.
وجعلوا لله شركاء الجن . ومن العجيب – إذن – أنهم جعلوا لله شركاء، مع أن الله هو الذي خلق العابد والمعبود، والتعجيب من أمرين اثنين : أن يجعلوا شركاء لله من الجن أو من الملائكة، والعجيبة الأخرى أنه خلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم وما معنى خرقوا له ؟ معناه أنهم اختلقوا ؛ لأن الخرق إيجاد فجوة في الشيء المستوي على قانون السلامة، ولذلك قال في السفينة : أخرقتها لتغرق أهلها ( من الآية ٧١ سورة الكهف )
وخرقوا له. أي عملوا خرقا في الشيء السليم الذي تأبى الفطرة أن يكون.
وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات ( من الآية ١٠٠ سورة الأنعام ).
أما القسم الذي ادعى أن لله البنين فهم أهل الكتاب ؛ إنهم قالوا ذلك :
وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ( من الآية ٣٠ سورة التوبة )
أما من جعلوا لله البنات، فهم بعض العرب الذين كانوا يعتقدون أن الملائكة بنات الله.
أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا ( من الآية ٤٠ سورة الإسراء )
وقال سبحانه :
أصطفى البنات على البنين ( ١٥٣ ) ما لكم كيف تحكمون ( ١٥٤ ) ( سورة الصافات )
وسبحانه القائل :
ألكم الذكر وله الأنثى ( ٢١ ) تلك إذا قسمة ضيزى ( ٢٢ ) ( سورة النجم )
وهناك من العرب من جعل بين الله وبين الجن صلة نسب مصداقا لقول الحق :
وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ( من الآية ١٥٨ سورة الصافات )
لقد افتروا على الحق وادعوا أن اتصالا تم بين الله والجنة فخلقت وولدت الملائكة.
وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ( ١٠٠ ) ( سورة الأنعام )
ولماذا يقول الحق : بغير علم لأن العلم يؤدي إلى النقيض، فالعلم قضية استقرائية معتقدة واقعة يقام عليها الدليل، وهذا شيء لا واقع له، ولا يمكن أن يوجد عليه دليل لذلك فهو قول بغير علم بل هو بجهل. هي إذن جهالة بأن يصدقوا في حاجة وأنها واقعة وهي ليست واقعة، ولا يقام عليها دليل لأنها غير موجودة، ولو استقام الدليل عندهم بفطرتهم المستقبلة لأدلة البيان وأدلة الكون لتبرأوا مما اعتقدوا، ولرفضوا أن يتخذوا لله شركاء.
وقد عرض الحق قضية طرأت على الأفكار المشوشة وقالوا :( شركاء ) فقال :( سبحانه )، أي تنزيها له عن الشرك في الذات وفي الصفات، وفي الأفعال ؛ لأن ذاته ليست ككل الذوات، وأفعاله ليست ككل الأفعال، وصفاته ليست ككل الصفات، ولذلك تأتي ( سبحانه ) في كل أمر يناقض نواميس الكون الموجودة. وخذ كل أمر يتعلق بالإله الحق في إطار ( سبحانه ). ولذلك حينما جاء الإسراء برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى بيت المقدس ثم عرج به في ليلة واحدة وكان ذلك أمرا عجيبا، أمرنا الحق أن نتقبلها في إطار قوله الحق :
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير ( ١ ) ( الآية ١ سورة الإسراء ).
إن محمدا عليه الصلاة والسلام لم يقل : أنا سريت من مكة إلى بيت المقدس، إنما قال :( أسري بي )، ومادام قد أسري به فالقانون في الإسراء هو قانون الحق سبحانه. فخذها في إطار سبحانه، وهو القائل : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ( من الآية ٣٦ سورة يس )، ثم يأتي بما هو أوسع من إدراك فيقول : ومما لا يعلمون ( من الآية ٣٦ سورة يس ).
كأننا سوف نعلم فيما بعد أشياء فيها زوجية، وقد أزاح الكشف العلمي في القرن العشرين بعضا من ذلك، فعرفنا الموجب والسالب في الكهرباء والالكترونات، وقوله : ومما لا يعلمون يفسح المجال لقضايا الكون التي تحدث بنشاطات العقول المكتشفة.
وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون ( ١٠٠ ) ( سورة الأنعام )
ف ( سبحانه ) تنزيها له وتقديسا عن أن يقاس بالكائن الموجود. تعالى اسمه، وتعالت صفاته وأفعاله ( عما يصفون ) بأوصاف لا تليق بذاته.
تفسير الشعراوي
الشعراوي