ﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶ

مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ: أَنَّهُ سَأَلَ رَجُلًا عَنْ حِسَابِ النُّجُومِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَتَحَرَّجُ أَنْ يُخْبِرَهُ، فَقَالَ عِكْرِمَةُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: عِلْمٌ عَجَزَ النَّاسُ عَنْهُ وَوَدِدْتُ أَنِّي عَلِمْتُهُ. وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالْخَطِيبُ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أَنَّهُ خَطَبَ فَذَكَرَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ كُسُوفَ هَذِهِ الشَّمْسِ، وَكُسُوفَ هَذَا الْقَمَرِ، وَزَوَالَ هَذِهِ النُّجُومِ عَنْ مَوَاضِعِهَا لِمَوْتِ رِجَالٍ عُظَمَاءَ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ كذبوا، ولكنها آيات من آيات الله يعبر بِهَا عِبَادَهُ لِيَنْظُرَ مَا يَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ تَوْبَةٍ». وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: «إِنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِمَا عِبَادَهُ». وَأَخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا:
«إِنَّ اللَّهَ نَصَبَ آدَمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ ضَرَبَ كَتِفَهُ الْيُسْرَى فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ مِنْ صُلْبِهِ حَتَّى ملؤوا الْأَرْضَ»، فَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ مَعْنَى مَا فِي الْآيَةِ، وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ
قَالَ: الْمُسْتَقَرُّ مَا كَانَ فِي الرَّحِمِ، وَالْمُسْتَوْدَعِ مَا اسْتَوْدَعَ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَالدَّوَابِّ. وَفِي لَفْظِ: الْمُسْتَقَرُّ مَا فِي الرَّحِمِ وَعَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَبَطْنِهَا مِمَّا هُوَ حَيٌّ وَمِمَّا قَدْ مَاتَ. وَفِي لَفْظِ: الْمُسْتَقَرِّ مَا كَانَ فِي الْأَرْضِ، وَالْمُسْتَوْدَعُ مَا كَانَ فِي الصُّلْبِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الْآيَةِ: قَالَ: مُسْتَقَرُّهَا فِي الدُّنْيَا، وَمُسْتَوْدَعُهَا فِي الْآخِرَةِ. وَأَخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنِ ابن مسعود قال: المستقرّ: الرحم، والمستودع: الْمَكَانُ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ فِي الْآيَةِ قَالَا: مُسْتَقَرٌّ فِي الْقَبْرِ، وَمُسْتَوْدَعٌ فِي الدُّنْيَا، أَوْشَكَ أَنْ يَلْحَقَ بِصَاحِبِهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ:
نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَراكِباً قَالَ: هَذَا السُّنْبُلُ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قِنْوانٌ دانِيَةٌ قَالَ قَرِيبَةٌ. وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حاتم عن ابْنِ عَبَّاسٍ قِنْوانٌ دانِيَةٌ قَالَ: قِصَارُ النَّخْلِ اللَّاصِقَةُ عُذُوقُهَا بِالْأَرْضِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْهُ قِنْوَانُ: الْكَبَائِسِ، وَالدَّانِيَةُ: الْمَنْصُوبَةُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ أَيْضًا فِي قِنْوانٌ دانِيَةٌ قال:
تهدل العذوق مِنَ الطَّلْعِ. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ:
مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ قَالَ: مُتَشَابِهًا وَرَقُهُ مُخْتَلِفًا ثَمَرُهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ فِي قَوْلِهِ: انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ قَالَ: رُطَبُهُ وَعِنَبُهُ. وَأَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ الْبَرَاءِ وَيَنْعِهِ قَالَ: نضجه.
[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١٠٠ الى ١٠٣]
وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)

صفحة رقم 167

هَذَا الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ ذِكْرَ نَوْعٍ آخَرَ مِنْ جَهَالَاتِهِمْ وَضَلَالَاتِهِمْ. قَالَ النَّحَّاسُ: الْجِنُّ: الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ، وَشُرَكَاءَ: الْمَفْعُولُ الثَّانِي، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً «١»، وَجَعَلْتُ لَهُ مالًا مَمْدُوداً «٢» وَأَجَازَ الْفَرَّاءُ: أَنْ يَكُونَ الْجِنُّ بَدَلًا مِنْ شُرَكَاءَ وَمُفَسِّرًا لَهُ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ رَفْعَ الْجِنِّ بِمَعْنَى هُمُ الْجِنُّ، كَأَنَّهُ قِيلَ:
مَنْ هُمْ؟ فقيل: الجنّ، وبالرفع قرأ يزيد بن قُطَيْبٍ وَأَبُو حَيَّانَ، وَقُرِئَ بِالْجَرِّ عَلَى إِضَافَةِ شُرَكَاءَ إِلَى الْجِنِّ لِلْبَيَانِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ جَعَلُوا شُرَكَاءَ لِلَّهِ فَعَبَدُوهُمْ كَمَا عَبَدُوهُ، وَعَظَّمُوهُمْ كَمَا عَظَّمُوهُ. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْجِنِّ هَاهُنَا الْمَلَائِكَةُ لِاجْتِنَانِهِمْ: أَيِ اسْتَتَارِهِمْ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ وَقِيلَ: نَزَلَتْ فِي الزَّنَادِقَةِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَإِبْلِيسَ أَخَوَانٍ، فَاللَّهُ خَالِقُ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ، وَإِبْلِيسُ خَالِقُ الْحَيَّاتِ وَالسِّبَاعِ وَالْعَقَارِبِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الْكَلْبِيِّ، وَيَقْرُبُ مِنْ هَذَا قَوْلُ الْمَجُوسِ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ هُمَا الرَّبُّ سُبْحَانَهُ وَالشَّيْطَانُ. وَهَكَذَا الْقَائِلُونَ: كُلُّ خَيْرٍ مِنَ النُّورِ، وَكُلُّ شَرٍّ مِنَ الظُّلْمَةِ، وَهُمُ الْمَانَوِيَّةُ. قَوْلُهُ: وَخَلَقَهُمْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ: أَيْ وَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهُمْ، أَوْ خَلَقَ مَا جَعَلُوهُ شَرِيكًا لِلَّهِ. قَوْلُهُ: وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ قَرَأَ نَافِعٌ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى التَّكْثِيرِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ ادَّعَوْا أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَالنَّصَارَى ادَّعَوْا أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ، واليهود ادّعوا أن عزيزا ابْنُ اللَّهِ، فَكَثُرَ ذَلِكَ مِنْ كُفْرِهِمْ فَشَدَّدَ الْفِعْلَ لِمُطَابَقَةِ الْمَعْنَى. وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّخْفِيفِ. وَقُرِئَ «حَرَّفُوا» مِنَ التَّحْرِيفِ: أَيْ زَوَّرُوا. قَالَ أَهْلُ اللغة: معنى خرقوا: اختلفوا وَافْتَعَلُوا وَكَذَّبُوا، يُقَالُ: اخْتَلَقَ الْإِفْكَ وَاخْتَرَقَهُ وَخَرَقَهُ، أَوْ أَصْلُهُ مِنْ خَرَقَ الثَّوْبَ: إِذَا شَقَّهُ: أَيِ اشْتَقُّوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ. قَوْلُهُ: بِغَيْرِ عِلْمٍ متعلق بمحذوف وهو حَالٌ: أَيْ كَائِنِينَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، بَلْ قَالُوا: ذَلِكَ عَنْ جَهْلٍ خَالِصٍ، ثُمَّ بَعْدَ حِكَايَةِ هَذَا الضَّلَالِ الْبَيِّنِ وَالْبَهْتِ الْفَظِيعِ مِنْ جَعْلِ الْجِنِّ شُرَكَاءَ لِلَّهِ، وَإِثْبَاتِ بَنِينَ وَبَنَاتٍ لَهُ نَزَّهَ اللَّهُ نَفْسَهُ، فَقَالَ: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي مَعْنَى سُبْحَانَهُ. وَمَعْنَى تَعالى: تَبَاعَدَ وَارْتَفَعَ عَنْ قَوْلِهِمُ الْبَاطِلِ الَّذِي وَصَفُوهُ بِهِ. قَوْلُهُ: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَيْ مُبْدِعُهُمَا، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَقَدْ جَاءَ الْبَدِيعُ: بِمَعْنَى الْمُبْدِعِ كَالسَّمِيعِ بِمَعْنَى الْمُسْمِعِ كَثِيرًا، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ:

أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدّاعي السّميع يورّقني وَأَصْحَابِي هُجُوعُ؟
أَيِ الْمُسْمِعِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ الْمُشَبَّهَةِ إِلَى الْفَاعِلِ، وَالْأَصْلُ بَدِيعُ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ. وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ خَفْضَهُ عَلَى النَّعْتِ لِلَّهِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَفْعَهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَوْ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَقِيلَ: هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ تَعالى، وَقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَدْحِ، وَالِاسْتِفْهَامُ فِي أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ لِلْإِنْكَارِ. وَالِاسْتِبْعَادِ، أَيْ مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ، وَهُوَ أنه خالق السموات وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِمَا كَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ؟ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَكَيْفَ يَتَّخِذُ مَا يَخْلُقُهُ وَلَدًا، ثُمَّ بَالَغَ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ، فَقَالَ: وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ أَيْ كَيْفَ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَالْحَالُ أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ، وَالصَّاحِبَةُ إِذَا لَمْ تُوجَدِ اسْتَحَالَ وُجُودُ الْوَلَدِ، وَجُمْلَةُ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ لِتَقْرِيرِ مَا قَبْلَهَا، لِأَنَّ مَنْ كَانَ خَالِقًا لِكُلِّ شَيْءٍ اسْتَحَالَ مِنْهُ أَنْ يَتَّخِذَ بَعْضَ مَخْلُوقَاتِهِ وَلَدًا وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ مخلوقاته خافية، والإشارة بقوله:
(١). المائدة: ٢٠.
(٢). المدثر: ١٢.

صفحة رقم 168

ذلِكُمُ إِلَى الْأَوْصَافِ السَّابِقَةِ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَا بَعْدَهُ خَبَرُهُ، وَهُوَ الاسم الشريف، ورَبُّكُمْ خبر ثان، ولا إِلهَ إِلَّا هُوَ خبر ثالث، وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ خبر رابع، ويجوز أن يكون اللَّهُ رَبُّكُمْ بَدَلًا مِنَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، وَكَذَلِكَ لَا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ، وَيَجُوزُ ارْتِفَاعُ خَالِقِ عَلَى إِضْمَارِ مُبْتَدَأٍ، وَأَجَازَ الْكِسَائِيُّ وَالْفَرَّاءُ النَّصْبَ فِيهِ فَاعْبُدُوهُ أَيْ: مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَاتُهُ، فَهُوَ الْحَقِيقُ بِالْعِبَادَةِ، فَاعْبُدُوهُ وَلَا تَعْبُدُوا غَيْرَهُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْعَظِيمَةِ شَيْءٌ.
قَوْلُهُ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ الْأَبْصَارُ: جَمْعُ بَصَرٍ، وَهُوَ الْحَاسَّةُ، وَإِدْرَاكُ الشَّيْءِ: عِبَارَةٌ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: أَيْ لَا تَبْلُغُ كُنْهَ حَقِيقَتِهِ، فَالْمَنْفِيُّ هُوَ هَذَا الْإِدْرَاكُ لَا مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ. فَقَدْ ثَبَتَتْ بِالْأَحَادِيثِ الْمُتَوَاتِرَةِ تَوَاتُرًا لَا شَكَّ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ، وَلَا يَجْهَلُهُ إِلَّا مَنْ يَجْهَلُ السُّنَّةَ الْمُطَهَّرَةَ جَهْلًا عَظِيمًا، وَأَيْضًا قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ وَالْمِيزَانِ أَنَّ رَفْعَ الْإِيجَابِ الْكُلِّيِّ سَلْبٌ جُزْئِيُّ فَالْمَعْنَى لَا تُدْرِكُهُ بَعْضُ الْأَبْصَارِ وَهِيَ أَبْصَارُ الْكُفَّارِ، هَذَا عَلَى تَسْلِيمِ أَنَّ نَفْيَ الْإِدْرَاكِ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ، فَالْمُرَادُ بِهِ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْخَاصَّةُ، وَالْآيَةُ مِنْ سَلْبِ الْعُمُومِ لَا مِنْ عُمُومِ السَّلْبِ، وَالْأَوَّلُ تَخْلُفُهُ الْجُزْئِيَّةُ، وَالتَّقْدِيرُ: لَا تُدْرِكُهُ كُلُّ الْأَبْصَارِ بَلْ بَعْضُهَا، وَهِيَ أَبْصَارُ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْمَصِيرُ إِلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ مُتَعَيَّنٌ لِمَا عَرَّفْنَاكَ مِنْ تَوَاتُرِ الرُّؤْيَةِ فِي الْآخِرَةِ. وَاعْتِضَادِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ «١» الْآيَةَ. قَوْلُهُ: وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أَيْ يُحِيطُ بِهَا وَيَبْلُغُ كُنْهَهَا لَا تَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهَا خَافِيَةٌ، وَخَصَّ الْأَبْصَارَ لِيُجَانِسَ مَا قَبْلُهُ. وَقَالَ الزَّجَّاجُ: فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخَلْقَ لَا يُدْرِكُونَ الْأَبْصَارَ:
أَيْ لَا يَعْرِفُونَ كَيْفِيَّةَ حَقِيقَةَ الْبَصَرِ وَمَا الشَّيْءُ الَّذِي صَارَ بِهِ الْإِنْسَانُ يُبْصِرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دُونَ أَنْ يُبْصِرَ مِنْ غَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ أَعْضَائِهِ، انْتَهَى. وَهُوَ اللَّطِيفُ أَيِ الرَّفِيقُ بِعِبَادِهِ: يُقَالُ لَطَفَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ: أَيْ رَفِقَ بِهِ، وَاللُّطْفُ فِي الْعَمَلِ: الرِّفْقُ فِيهِ، وَاللُّطْفُ مِنَ اللَّهِ: التَّوْفِيقُ وَالْعِصْمَةُ، وَأَلْطَفَهُ بِكَذَا: إِذَا أَبَرَّهُ. وَالْمُلَاطَفَةُ:
الْمُبَارَّةُ، هَكَذَا قال الجوهري وابن فارس، والْخَبِيرُ الْمُخْتَبَرُ بِكُلِّ شَيْءٍ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ.
وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ قَالَ: وَاللَّهُ خَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ قَالَ: تَخْرُصُوا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ: وَخَرَقُوا قَالَ: جَعَلُوا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ:
كَذَّبُوا. وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ قَتَادَةَ نَحْوَهُ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ عَدِيٌّ وَأَبُو الشَّيْخِ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ قَالَ: «لَوْ أَنَّ الْإِنْسَ وَالْجِنَّ وَالْمَلَائِكَةَ وَالشَّيَاطِينَ مُنْذُ خُلِقُوا إِلَى أَنْ فَنُوا صُفُّوا صَفًا وَاحِدًا مَا أَحَاطُوا بِاللَّهِ أَبَدًا». قَالَ الذَّهَبِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. انْتَهَى. وَفِي إِسْنَادِهِ عَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ. قَالَ عِكْرِمَةُ: فَقُلْتُ لَهُ أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ قَالَ:
لَا أُمَّ لَكَ ذَاكَ نُورُهُ إِذَا تَجَلَّى بِنُورِهِ لَا يُدْرِكُهُ شَيْءٌ، وَفِي لَفْظٍ: إِنَّمَا ذَلِكَ إِذَا تَجَلَّى بِكَيْفِيَّتِهِ لَمْ يَقُمْ لَهُ بَصَرٌ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ قَالَ: لَا يُحِيطُ بَصَرُ أَحَدٍ بِاللَّهِ. وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الرُّؤْيَةِ عَنِ الحسن

(١). القيامة: ٢٢.

صفحة رقم 169

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية