ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

وذكر هذه الآيات، سبب لضلال أهل الشقاء وهداية أهل العناية، كما بين ذلك بقوله :
وَكَذالِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ وَلِيَقُولُواْ دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
قلت : تصريف الشيء : إجراؤه على أحوال متعاقبة وجهات مختلفة، ومنه : تصريف الرياح لهبوبه من جهات مختلفة، ولما كانت آيات القرآن تنزل على أنواع مختلفة في أوقات متعاقبة، شبهت بتصريف الرياح على أنحاء مختلفة، وليقولوا : متعلق بمحذوف، أي : وليقولوا : درست، صرفنا الآيات، واللام للعاقبة، وكذلك : ولنبينه : المتعلق واحد.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ومثل ذلك التصريف الذي صرفنا من الآيات، من قوله :
إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [ الأنعَام : ٩٥ ]، إلى قوله : قَدْ جَآءَكُم بَصَآئِِرُ مِن رَّبِكُمْ
[ الأنعَام : ١٠٤ ] نُصرِّف الآيات في المستقبل لتكون عاقبة قوم الشقاء بها بتكذيبهم إياها، وليقولوا لك : دارسْتَ أهل الكتاب، وتعلمت ذلك منهم، وليس بوحي، أو درسَت هذه الأخبار وعفت، وأخبرت بها من إملاء غيرك عليك، كقولهم : أساطير الأولين، وليكون عاقبة قوم آخرين الاهتداء، وإليهم الإشارة بقوله : ولنبينه لقوم يعلمون أي : وليتضح معناه عند قوم آخرين، فيهتدوا به إلى معرفتي وتوحيدي ومحل رضواني وكرامتي، فالخطاب متحد، والأثبر مختلف على حسب السابقة.
الإشارة : ظهور الآيات على يد أهل الخصوصية كالعلوم اللدنية والمواهب الربانية لا يوجب لهم التصديق لجميع الخلق، فلو أمكن ذلك لكان النبي صلى الله عليه وسلم أولى به، بل لا بد من الاختلاف، فقوم قالوا : هذه العلوم. . . دارس فيها وتعلمها، وقوم قالوا : بل هي من عند الله لا كسب فيها، قال تعالى :
وَلاَ يَزَالُون مُخْتَلِفِينَ [ هُود : ١١٨ ].

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير