ويقول الحق بعد ذلك :
وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون( ١٠٥ ) كذلك نصرف .
أي أنه يأتي لنا بالحال بعد الحال ويكرر ويعيد، وتأتي الحادثة من الحوادث وينزل فيه تشريع، ويرقق قلوبهم، ويأتي بنماذج من الرسل، ومواقف أممهم منهم حتى نصادف في كل حال قلبا مستقبلا لأنه إن قال مرة واحدة وسكت وكان هناك أناس قلوبهم منصرفة فعندما يكرر الأحداث وينزل فيها من التشريع والمواعظ فقد ترق قلوبهم للإيمان وتستوعب القلوب الهداية.
وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ما معنى : وليقولوا درست ؟ إننا نعلم أن السماء تتدخل حين يطم الفساد، لكن إن وجد في ذات الإنسانية نفس لوامة فهي مناعة للنفس ووقاية لها، فإن فعل الإنسان ذنبا تلومه نفسه فيرجع، وإن اختفت النفس اللوامة وصارت النفس أمارة بالسوء، امتنع في المجتمع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمعنى ذلك أن الفساد قد طم. وهنا تتدخل السماء وتأتي ببيان جديد ومعجزة جديدة.
إن الفساد لا يتأتي إلا من وجود طبقات تطحن في طبقات، والذين يطحنون بالفساد هم من يستقبلون المنهج بشوق، لكن الطاحن المستفيد من الفساد هو الذي يعارض المنهج، ولذلك فإن كل جماعة حاربت الرسل هم من الطاحنين للناس، لكن المطحونين إنما يريدون من ينقذهم.
إذن فكل صاحب دعوة سماوية جعل الله له عدوا من المجرمين ؛ لأن السماء لم تتدخل إلا حين صار الإجرام لا مقاوم له. وهكذا يجعل الله لكل نبي ورسول عدوا من المجرمين، وهذا العدو يفتن به الناس، ويميل له ضعاف العقائد. والحق يصرف الآيات حالا بعد حال حتى لا يثبت مع الداعي الحق إلا المؤمنون الصادقون.
ولذلك تجد أن الإسلام قد جاء وغربل الأمور ؛ فمثلا تأتي حادثة الإسراء فمن كان إيمانه مهتزا ينكر الإسراء، وذلك من أجل أن يذهب الزبد ويبقى من يحمل الدعوة بمنهج الحق. أما من كان إيمانه ضعيفا أو كان يعبد الله على حرف فالإسلام لا يرغبه.
لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ( من الآية ٤٧ سورة التوبة )
إذن فالحق سبحانه وتعالى قد صرف الآيات لينصرف المطحونين، وحينما قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذلك قالوا درست وادعوا أنه كان قاعدا في الجبل، وتعلم من أعجمي. لذلك نجد الحق يقول :
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ( من الآية ١٠٣ سورة النحل )
ويأتي الرد من الحق :
لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين ( من الآية ١٠٣ سورة النحل )
إن سيدنا عمر رضي الله عنه حينما كان في الطواف جاء عند الحجر الأسود وقال :( والله إني لأقبلك وإني أعلم أنك حجر وأنك لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبلك ما قبلتك )١.
فعل سيدنا عمر ذلك حتى يعلمنا إذا ما جاء بعض الناس وقال : ما سبب علة تقبيل الحجر الأسود ؟ فيكون الجواب حاضرا : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل ذلك وهذا تشريع.
تفسير الشعراوي
الشعراوي