تفسير المفردات : نصرف الآيات : أي نأتي بها متواترة حالا بعد حال مفسرين لها في كل مقام بما يناسبه، ودرس الشيء يدرس : إذا عفا وزال فهو دارس ودرسته الريح وغيرها، ودرس اللابس الثوب درسا : أخلقه وأبلاه فهو دريس، ودرسوا القمح : داسوه ليتكسر فيفرق بين حبه وتبنه ودرس الناقة : راضها، ودرس الكتاب والعلم يدرسه درسا ودارسة ومدارسة : أي ذلّله بكثرة القراءة حتى خف حفظه عليه من ذلك، والمعنى العام للدرس : تكرار المعالجة، وتتابع الفعل على الشيء حتى يذهب به أو يصل إلى الغاية منه.
المعنى الجملي : بعد أن أقام الأدلة والبراهين الواضحة على توحيده وكمال قدرته وعلمه ـ عاد هنا إلى تقرير أمر الدعوة والرسالة، وتبليغ النبي صلى الله عليه وسلم أوامر ربه، ومدى تلك الأوامر من الهداية والإرشاد، وما يقوله المشركون في المبلغ لها، وأعلم سبحانه سنته فيهم في أمثالهم، وما يجب على الرسول معهم وما ينفى عنه.
الإيضاح : وكذلك نصرف الآيات أي مثل ذلك التصريف البديع نصرّف في سائر القرآن لإثبات أصول الإيمان وتهذيب النفوس والأخلاق، فنحولها من حال إلى حال، مراعين في ذلك تفاوت العقول والأفهام واختلاف استعداد الأفراد والجماعات.
وليقولوا درست أي إن لتصريف الآيات فوائد شتى :( ١ ) أن يهتدي بها المستعدون للإيمان على اختلاف العقول والأفهام. ( ٢ ) أن يقول الجاحدون المعاندون من المشركين : قد درست من قبل وتعلمت، وليس هذا بوحي منزل كما زعمت، وقد قالوا هذا إفكا وزورا، فزعموا أنه تعلم من غلام رومي كان يصنع السيف بمكة وكان يختلف إليه كثيرا، وذلك ما عناه سبحانه بقوله : ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [ النحل : ١٠٣ ].
ولنبينه لقوم يعلمون ( ٣ ) وأن نبين هذا القرآن المشتمل على تصريف الآيات الذي يقول فيه الجاحدون إنه أثر درس واجتهاد لقوم لديهم الاستعداد للعلم بما تدل عليه الآيات من الحقائق، وما يترتب على الاهتداء بها من السعادة دون أن يكون لديهم معارض من تقليد أو عناد.
والخلاصة : إن الذين يقولون للرسول إنك درست : هم الجاهلون الذين لم يفهموا تلك الآيات التي صرفها الله على ضروب مختلفة، ولم يفقهوا سرها، وما يجب من إيثارها على منافع الدنيا.
وأما الذين يعلمون مدلولاتها، وحسن عاقبة الاهتداء بها، فهم الذين يتبين لهم بتأملها حقيقة القرآن وما اشتمل عليه من حسن التصرف المؤيد بالحجة والبرهان.
تفسير المراغي
المراغي