ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

وكذلك نصرف الآيات وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون١٠٥ ( الأنعام : آية ١٠٥ ).
في هذه الآية الكريمة ثلاث قراءات سبعيات قرأه من السبعة نافع، غير ممدود بألف، و( التاء ) مفتوحة-تاء المخاطب- درست بعدم مد الدال، وفتح التاء، هذه قراءة نافع، وعاصم، والكسائي.
وقرأه من السبعة أبو عمرو، وابن كثير : وليقولوا دارست ولنبينه لقوم يعلمون على وزن " فاعلت " بتاء المخاطب المفتوحة.
وقرأه ابن عامر وحده من السبعة : وليقولوا درست ولنبينه لقوم يعلمون على وزن " فعلت " بتاء التأنيث الساكنة.
اعلم أولا أن معنى الآية : وكذلك نصرف الآيات أي : وكذلك التصريف الواضح الذي تصرف عليه الآيات على أنحاء مختلفة، من إقامة البراهين العقلية، و إفحام الخصوم، والوعد والوعيد، وبيان المحجة، كذلك التصريف الذي نصرف به الآيات في هذه السورة : نصرفها بغيرها من جميع القرآن مما يحتاج له البشر على انحاء مختلفة من العقائد، والحلال والحرام، والآداب، والمكارم، والأمثال، والوعد والوعيد، كذلك التصريف الواضح على الأنحاء المختلفة، نصرف الآيات. وتصريف القرآن بهذه الأساليب العظيمة لحكمة مفترقة إلى شيئين : أي : ليؤمن به من وفقه الله، وليكذب به من خذله الله فيقول : درست هذا القرآن على غيرك، وأخذته من غيرك، كما قالوا : وقالو أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ٥ ( الفرقان : آية ٥ ) إن هذا إلا إفك افتراه و أعانه عليه قوم آخرون ( الفرقان : آية ٤ ) والمعنى : نصرف آيات القرآن على أنحاء مختلفة، في أكمل بيان وأوضحه، لنخذل قوما، ونوفق آخرين، لأن الله انزل هذا القرآن، وصدق في علمه أنه يؤمن به قوم فيدخلهم الجنة، ويكفر به آخرون فيدخلهم النار، لأن هذا القرآن منذ انزله الله لا يدخل أحد الجنة إلا عن طريق العمل به، ولا النار إلا عن طريق الإعراض عنه، فالعمل به مفتاح الجنة، والإعراض عنه مفتاح النار، ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مريه منه إنه الحق من ربك ( هود : آية ١٨ ) والله ( جل وعلا ) يبتلي بابتلاءاته فيضل قوم ويهدي آخرين، وله في ذلك الحكمة البالغة، ولأجل هذا القرآن هدى لقوم وفقهم للعمل به، وجعله هلاكا على آخرين، وحجة عليهم، خذلهم فأعرضوا عنه، كما قال تعالى : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا٧٢ ( الإسراء : آية ٧٢ ) قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في ءاذانهم وقر وهو عليهم عمى ( فصلت آية ٤٤ ) والعياذ بالله وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ١٢٤ وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون١٢٥ ( التوبة : الآيتان ١٢٤-١٢٥ )هذا معنى قوله : وكذلك نصرف الآيات و لأجل أن ينقسموا إلى أشقياء وسعداء : صرفنا هذا القرآن على هذا التصريف.
وليقولوا درست أي : وليقول الكفار الذين خذلهم الله ولم يوفقهم للعمل به : درست يعنون درست هذا القرآن على غيرك، و أخذته عن بعض البشر، كما يأتي في قوله : إنما يعلمه بشر ( النحل : آية ١٠٣ ) وقوله : إنه فكر وقدر١٨ فقتل كيف قدر١٩ ثم قتل كيف قدر٢٠ثم نظر٢١ ثم عبس وبسر ٢٢ثم أدبر إلى أن قال : إن هذا إلا سحر يؤثر أي : يرويه محمد من غيره إن هذا إلا قول البشر ٢٥ سأصليه سقر٢٦ ( المدثر : الآيات ١٨-٢٦ ) وكقوله : وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ( الفرقان آية ٤ ) وكقوله : اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ( الفرقان : آية ٥ ) أي : ليقول من خذله الله : درست هذا القرآن، وأخذته عن غيرك من البشر، وتعلمته منه، كما قالوا : إنما يعلمه بشر ( النحل : آية ١٠٣ ) أي : لأجل أن يخذل الله من خذله فيكذبون بكتاب الله، وينكرون أنه منزل من الله، ويزعمون أنه درسه على غيره، و أخده من البشر.
هذا على قراءة نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي.
أما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو وليقولوا دارست فمعناه راجع إلى الأول، والمعنى : دارست غيرك من البشر، دارستهم فدارسوك، وقرأت عليهم وقرؤوا عليك، فاستعنت بهم حتى حصلت هذا الكلام الذي جئت به من عندهم.
أما على قراءة ابن عامر : وليقولوا درست فأصلها قراءة معناها مشكل، وأظهر أقوال العلماء فيها وجهان :
أحدهما : وليقول من خذله الله وأشقاه ولم يوفقه للقرآن : درست هذه الآيات التي تأتي بها، لأنها متقدم عهدها، لأنها من أساطير الأولين أخذتها عنهم، فهو ليس بشيء جديد أنزل عليك، و إنما هي دراسة قديمة، كانت عند الأولين من أساطيرهم، أخذتها عنهم وعلى هذا فالمعنى يرجع إلى قوله : وقالوا أساطير الأولين ( الفرقان : آية ٥ ) وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين ٢٤ ( النحل : آية ٢٤ ) لأن أساطير الأولين أساطير قديمة دارسة أخذتها عنهم، ليس بأمر جديد منزل عليك. وهذا من أبين الوجوه في قراءة ابن عامر : وليقولوا درست .
الوجه الثاني : أي : وليقول من خذله الله وأشقاه ولم يوفقه للعمل بالقرآن : درست هذه الآيات، طال علينا العهد بها وانمحت، فينبغي لك أن تأتي بغيرها /وتبدلها بجديد، فإن هذه الأولى درست ولم تنفع، كما قال : قال الذين لا يرجون لقائنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله ( يونس : آية ١٥ ). والأول أظهر.
ولنبينه لقوم يعلمون ( الأنعام : آية ١٠٥ ) هذه الحكمة، أي : ليقول من خذلهم الله و أشقاهم : درست هذا القرآن و أخذته عن البشر، فهو أساطير الأولين وليس بكلام الله، ولأجل ان نبينه لمن وفقناهم، فيكون عمى على هؤلاء وهدى لهؤلاء، كما قال : قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ( فصلت : آية ٤٤ ) فقوله : هدى وشفاء كقوله : ولنبينه لقوم يعلمون ، وقوله : وليقولوا درست ( الأنعام : آية ١٠٥ ) كقوله : وهو عليهم عمى ( فصلت : آية ٤٤ ) وكقوله : وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ( الإسراء : آية ٨٢ )أي : ولنبينه لقوم يعلمون .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير