ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

اتبع ما أوحي إليك من ربك لما بين الله ( جل وعلا ) انه أنزل علينا على لسان نبينا بصائر حيث قال : قد جاءكم بصائر والمعنى : جاءتكم قبلنا على لسان نبينا بصائر، أي : حجج قاطعات، وأدلة واضحات، لا تترك في الحق لبسا. فهذه البصائر التي جاءتكم يلزمكم اتباعها، وعدم الميل والحيدة عنها، ولذا أتبع قوله : قد جاءكم بصائر ( الأنعام : آية ١٠٤ ) بقوله : اتبع ما أوحي إليك من ربك ( الأنعام : آية ١٠٦ ) وهعو تلك الباصئر والبيانات والحجج القاطعات التي أنزلها الله عليك، وهذه البصائر : هي هذا القرآن العظيم، وهو المأمور باتباعه في قوله : اتبع ما أوحي إليك ( الأنعام : آية ١٠٦ ) وهذا القرآن العظيم يجب علينا جميعا أن نتبعه، ونتأدب بآدابه، ونتخلق بما فيه من مكارم الأخلاق، ونحل حلاله، ونحرم حرامه، ونعتقد عقائده، وننزجر [ بوعيده ]، وننبسط( لوعده )، ونتأسى بأمثاله، إلى غير ذلك من العمل به.
وعلموا أن هذا القرآن العظيم هو أعظم نعمة أعطاها الله لهذا الخلق الذي أنزله علينا، وقد بين ( جل وعلا ) أن إيراث هذا القرآن العظيم هو العلامة الوحيدة في الاصطفاء، فالله لا يورث هذا الكتاب إلا من اصطفاء من خلقه، حيث قال بعد أن نوه بالقرآن والعمل به : إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا إلى أن قال : يرجون تجارة لن تبور ثم قال : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فبين أن إيراث هذا الكتاب علامة للاصطفاء، ولذا قال : أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا والجمهور من العلماء على أن الذين أورثوا الكتاب الذين اصطفاهم الله بإيراث هذا الكتاب لا يختصون بحملة القرآن الذين يحفظونه، بل يشمل جميع الأمة الذين يعملون به، فيحلون حلاله، ويحرمون حرامه، ويعتقدون عقائده، إلى غير ذلك، وإن لم يكونوا يحفظونه، وسواء وقع منهم تقصير، لأن الله لما بين إيراثه للكتاب، وأن إيراثه الكتاب علامة الاصطفاء، قسم هذه الأمة التي أورثها هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، قال : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ثم نوه بالقرآن العظيم فقال : ذلك هو الفضل الكبير ذلك أي : إيراثنا الكتاب إياهم عن نبيهم هو الفضل الكبير من الله عليهم. فصرحت الآية بأن إنزال القرآن، وإيراثنا إياه أعظم فضل وأكبره علينا، ولذا علمنا الله أن نحمده على هذه النعمة الكبرى، والفضل الأعظم، حيث قال في أول سورة الكهف : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا١ ( الكهف : آية ١ ) يعني لم يجعل فيه اعوجاجا من جهة الألفاظ ولا المعاني، فألفاظه بليغة مستقيمة، " ومعانيه " ( في الأصل : ومعناه ) كريمة جليلة، أخباره صدق، وأحكامه عدل وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ( الأنعام : آية ١١٥ ) يعني : صدقا في الأخبار، وعدلا في الأحكام. ثم قال ( جل وعلا ) وهو محل الشاهد : جنات عدن يدخلونها يعني جميع الذين أورثوا الكتاب، هذا القرآن العظيم وعلى رأسهم الظالم لنفسه، لأنه أول من ذكر، حيث قال : فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات ثم قال عن الجميع : جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ ولباسهم فيها حرير٣٣وقالوا الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور٣٤ الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب ٣٥ ولم يبق غير الذين أورثوا الكتاب بظالمهم، ومقتصدهم، وسابقهم إلا الكفرة الفجرة، ولذا قال بعدها : والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور٣٦ ( فاطر : الآيات ٢٩-٣٦ ) وكان بعض العلماء يقول : حق لهذه( الواو ) ان تكتب بماء العينين. يعني واو يدخلونها لأنها حكمت بدخول الجميع في الجنة، وعلى رأسه الظالم لنفسه.
وأصح التفسيرات في ( الظالم )، و ( المقتصد )، و ( السابق ) :
أن الظالم : هو الذي يطيع مرة ويعصي أخرى، من الذين قال الله فيهم :
خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ( التوبة : آية ١٠٢ ).
والمقتصد : هو الذي يأتي بالواجبات، ويترك المحرمات، ولا يتقرب بالنوافل.
والسابق بالخيرات : هو الذي يأتي بالواجبات، ويتقي المحرمات، ويتقرب إلى الله بالنوافل، تقربا إليه بغير الواجبات.
وكان بعض العلماء يقول : ما الحكمة في تقديم الظالم في آية فاطر هذه، والظالم إذا كان في هذا الوعد الكريم بدخول الجنة جنات عدن يدخلونها فمن أين له ان يقدم فيقدمه الله بالذكر على المقتصد والسابق ؟
للعلماء عن هذا أجوبة معروفة :
منها : أن معظمهم قال : هذا المقام أظهر الله فيه كرمه وتعظيمه هذا القرآن العظيم، وقوة آثاره على من أورثهم إياه بدخول الجنة، لذا بدأ بالظالم لئلا يقنط، واخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط.
وقال بعض العلماء : أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم، لأن الله يقول : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم ( ص : آية ٢٤ )ولما كان أكثر أهل الجنة الظالمين لأنفسهم بدأ بهم لشأن الكثرة.
كذا قالوا والله – تعالى – اعلم، ولذا لما نوه بهذه البصائر التي هي النعمة العظيمة قد جاءكم بصائر من ربكم ( النعام : آية ١٠٤ ) أمر بإتباعها وقال : اتبع ما أوحي إليك من ربك ( الأنعام : آية ١٠٦ ) وهذا الذي أوحي إليك من ربك هو تلك البصائر، أي الحجج القاطعات، والأدلة الساطعات الواضحات، التي لا تترك في الحق لبسا، التي صرفها الله في هذا القرآن العظيم وكذلك نصرف الآيات ( الأنعام : آية ١٠٥ ) كما قال جل وعلا : ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ( الإسراء : آية ٨٩ ) وهذا معنى قوله : اتبع ما أوحي إليك من ربك ( الأنعام : آية ١٠٦ ).
وهذه الآية نص بان الذي يجب اتباعه هو الوحي، وهو القرآن العظيم، فلا يجوز اتباع غيره، فمن اتبع تشريعا غيره فربه من اتبع تشريعه كما بيناه مرارا وكما سيأتي إيضاحه مرارا في هذه السورة الكريمة سورة الأنعام، لأن التشريع إنما هو لخالق السماوات والأرض، كما أنه لا شريك له في عبادته : كذلك لا شريك له في حكمه، ولذا قال تعالى في العبادة : فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ( الكهف : آية ١١٠ ) : ولا يشرك في حكمه أحدا فالحكم لله وحده، كما أن العبادة له وحده، فهو المعبود وحده ( جل وعلا )، فيجب توحيده في العبادة، وهو الحاكم وحده ( جل وعلا )، فالحكم له وحده إن الحكم إلا لله ( الأنعام : آية ٥٨ ) لأن الحكم لا يكون إلا لمن هو أعلى من كل شيء، وأكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، كما قال تعالى : ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير١٢ ( غافر : آية ١٢ ) لأن العلي الكبير الذي هو متصف بغاية العلو والكبر والعظم هو الذي له يأمر وينهى، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، والدين ما شرعه الله، وليس لأحد ألبتة تشريع مع الله، فكل من اتبع تشريعا وضعيا سواء سماه نظاما، او قانونا، أو دستورا من التشاريع الوضعية التي وضعها إبليس على ألسنة اوليائه من الكفرة : فربه ذلك الذي اتبع تشريعه، وهو كافر بالله كفرا بواحا مخرجا عن الملة. والله بين هذا في آيات كثيرة، لأن التشريع لا يمكن إلا ان يكون للسلطة العليا الحاكمة، التي لا يمكن ان تكون فوقها سلطة، وهي سلطة خالق السماوات والأرض، فهو الآمر الناهي، فالأمر أمره، والنهي نهيه، والدين ما شرع، والحلال ما أحل، والحرام ما حرم، ومن أراد ان يتبع تحليلا وتشريعا لغيره فقد اتخذ غيره ربا، وهو مشرك بخالق السماوات والأرض، لأن الشرك به في حكمه كالشرك به في عبادته، ولذا سياتيكم في هذه السورة الكريمة –سورة الأنعام- براهين قاطعة من هذه البصائر التي قال الله : قد جائكم بصائر من ربكم فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها ( الأنعام : آية ١٠٤ ) موضحا أن من اتبع تشريع الشيطان فقد اتخذ الشيطان ربا، وهو مشرك بالله شركا أكبر عن دين الإسلام، ذلك ان ابليس اللعين لما قال لتلامذته من كفار مكة : سلوا محمدا صلى الله عليه وسلم عن الشاة تصبح ميتة، من هو الذي قتلها ؟ قال لهم : الله قتلها. قالوا : إذا هي ذبيحة الله، وأنتم تقولون : هي ميتة نجسة، فما ذبحتموه بأيديكم –يعنون المذكى – تقولون : حلال طيب مستلذ ! ! وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون : حرام ميتة نجس، فأنتم إذا أحسن من الله ! ! فانزل الله – بإطباق العلماء - فيهم قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه( الأنعام : آية ١٢١ ) يعني : الميتة. أي وإن زعموا أنها ذبيحة الله، ثم قال :{ وإنه لفسق وإنه يعني : الأكل من الميتة لفسق وخروج عن طاعة الله. ثم قال : وإن أطعمتموهم أي : وإن أطعمتموهم في أن الميتة حلال في تشريع الشيطان، لأن الصحابة والكفار اختلفوا في لحم الميتة، فقال الصحابة : حرام بتشريع الله، لأن الله يقول : إنما حرم عليكم الميتة ( البقرة : آية ١٧٣ ) وقال أتباع الشيطان في تشريع الشيطان : الميتة حلال، لأنها ذبيحة الله، فما ذبحه الله أحسن مما ذبحه البشر.
فهي قطعة لحم اختلف فيها شرع الله مع قانون الشيطان، فقال الله وإن أطعمتموهم إنكم لمشركون ( الأنعام : آية ١٢١ ) يعني : إن أطعتم الكفار بأكل الميتة الذي أباحه قانون إبليس، ونظام الشيطان إنكم لمشركون بالله حيث أشركتم في حكمه، وهو يقول ولا يشرك في حكمه أحدا ( الكهف : آية ٢٦ ).
وهذا الشرك الذي حكم الله به في سورة الأنعام على من اتبع قانون الشيطان، ونظام إبليس، هو الذي يوبخ الله مرتكبيه يوم القيامة – في سورة " يس " – على رؤؤس الأشهاد، ويبين مصيرهم النهائي، وذلك في قوله : ألم أعهد إليكم يا بني آدم ان تعبدوا الشيطان ( يس : آية ٦٠ )وقد أجمع العلماء أن عبادتهم للشيطان التي نهاهم عنها وعهد إليهم ألا يفعلوها إنما هي اتباع نظامه، وتشريعه، وقانونه، في سن المعاصي، والكفريات، والمنكرات، ثم قال : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين٦٠ وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم٦١وقد أضل منكم جبلا كثيرا حيث عبدوه واتخذوا تشريعه أفلم تكونوا تعقلون ثم بين المصير النهائي لعبدة الشيطان، ومتبعي نظام إبليس : هذه جهنم التي كنتم توعدون٦٣اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون٦٣اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون٦٥ ( يس : الآيات ٦٠-٦٥ )لأجل هذا سمى الله تعالى الذين يطاعون في المعصية : " شركاء " حيث قال : وكذلك زين لكثير من المشركين قتل اولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم دينهم ( الأنعام : آية ١٣٨ ) ولما سأل عدي بن حاتم النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا ( التوبة : آية ٣١ ) كيف اتخذوهم اربابا ؟ قال : ألم يحلوا لهم ما حرم الله ؟ ويحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم ؟ قال : بلى. قال : بذلك اتخذوهم أربابا.
فكل من يتبع نظام إبليس، وقانون الشيطان، فهو مشرك بالله في حكمه، والله يقول : ولا يشرك في حكمه أحدا ( الكهف : آية ٢٦ )، إن الحكم إلا لله ( الأنعام : آية ٥٨ )، { وما اختلفتم فيه م

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير