ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚ

(اتَّبِعْ مَا أُوحِي إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ) الأمر للنبي - ﷺ - ابتداء، ولمن اتبعه في الغاية والمآل، اتبع أيها النبي ما أُوحي إليك، وهو القرآن، لأنه رأس ما أوحى الله به إلى نبيه الأمين، وعبر بالوصول " ما " دون ذكر الاسم الشريف، لبيان سبب الاتباع، وحقيقة القرآن، وهو أنه وحي من الله تعالى، فاتباعه هو اتباع الله تعالى، وشرف القرآن بشرف من أنزله، فقد التقى فيه شرفان جليلان:
أولهما - شرف ذاتي وهو أنه الكتاب الكامل الذي لَا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه المعجز الذي لَا يستطيع أحد أن يأتي بمثله، وأنه النبوة فمن حفظه فقد حفظ النبوة بين جنبيه.
ثانيهما - شرف إضافي، وهو أنه الكتاب الوحيد الذي ينسب إليه، وإذا كانت سبقته كتب أخرى فهو جامعها، وهو سجل النبوات قبله، فيه الشرائع السماوية كلها من غير تفريط في واحدة منها.
وقوله تعالى: (مِن رَّبِّكَ) تقوية للاتباع بأنه من الله ذي الجلال والإكرام الذي رَبَّى هذا الوجود ونماه وعلمه وكونه، فهو أوحى إليك من ربك الذي يعرف ما يشتمل على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم، في حياتهم الدنيا، وفيما يوصل إلى الآخرة.

صفحة رقم 2621

واتباع ما أوحي إلى النبي - ﷺ - يكون باتباع ما يدعو إليه من وحدانية الله تعالى التي هي ملاك الأمر كله واتباع أوامره ونواهيه، والإيمان بأنه يحل الطيبات، ويحرم الخبائث، وأن ما أحله تعالى فيه الخير والنفع العام والمصلحة في الدنيا والآخرة، وما يحرمه هو الفساد، ويؤدي إلى الهوان في الدنيا والآخرة. وقرن الله تعالى الأمر باتباع ما أوحي إلى النبي - ﷺ - بقوله: (وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ) ومعنى الإعراض عنهم ليس هو السكوت عن دعوة الحق بينهم والإصرار عليها، فإن قوله تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُومَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكينَ)، وإنما معنى الإعراض أن يعرض عن سخريتهم بالضعفاء من المؤمنين، والجحود الذي يدأبون عليه وادعاء الأباطيل عليه من أنه علمه بشر، أو أنه دارسه مع أحد، ويعرض عن إلحاحهم في النكران، يعرض عن كل هذا ويمضي في دعوته، ولا يهمه لغو اللاغين وعبث العابثين وخوض الخائضين الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا، يعرض عن هؤلاء المشركين الذين اندفعوا في ذلك بسبب شركهم.
وإن ذلك الإعراض عنهم؛ لأنك دعوتهم وتدعوهم، ولست مسئولا عن إيمانهم، ولا معاقبا على كفرهم (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ)، وإن إشراكهم بتقدير الله تعالى وبعلمه، وإنهم ساروا في طريقهم إلى الشرك، وسهلوا سبيلهم إليه، ولو شاء سبحانه ما مكنهم من الشرك، ولكن لأن الله تعالى خلق الإنسان، وأعطاه قدرة يرى بها الخير والشر كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)، لهذا الاختيار الذي ركبه الله تعالى في نفوسهم من خروج على سلطانه تركهم في غيهم يعمهون، لأنهم سلكوا طريقا واختاروه.
* * *

صفحة رقم 2622

زهرة التفاسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة

الناشر دار الفكر العربي
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية