تفسير المفردات : شرح الصدر : توسعته، ويراد به جعل النفس مهيأة لحلول الحق فيه وخلوها مما يكدرها، والضيق بالتشديد والتخفيف كهين وهين : ضد الواسع. والحرج : شديد الضيق من الحرجة وهي الشجر الكثير الملتف بعضه ببعض بحيث يصعب الدخول فيه. روي أن عمر سأل أعرابيا من بني مدلج عن الحرجة فقال : هي الشجرة تكون بين الأشجار لا تصل إليها راعية ولا وحشية، فقال عمر : كذلك قلب المنافق لا يصل إليه شيء من الخير. والرجس : كل ما يستقذر حسا أو عقلا أو شرعا، أو هو ما لا خير فيه، أو هو اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة.
المعنى الجملي : بعد أن أبان سبحانه في الآيات السابقة أن سنته في البشر قضت بأن يكون في كل شعب أو أمة زعماء مجرمون يمكرون بالرسل وبدعاة الإصلاح، ويقاومون دعوتهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا ـ ذكر هنا أن هذه السنة تنطبق أشد الانطباق على مجرمي أهل مكة الذين تعنتوا أشد التعنت فيما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من الآيات، ثم ذكر بعد هذا سنة الله في المستعدين للإيمان وغير المستعدين مع ظهور الحق في نفسه.
وقد نزلت هذه الآية في الوليد بن المغيرة قال : والله لو كانت النبوة حقا لكنت أنا أحق بها من محمد فإني أكثر منه مالا وولدا.
ثم قفى على ذلك بالموازنة بينهم وبين المستعدين للإيمان فقال : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام . الإيضاح : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام أي فمن كان أهلا بإرادة الله وتقديره لقبول دعوة الإسلام الذي هو دين الفطرة، والهادي إلى طريق الحق والرشاد وجد لذلك في نفسه انشراحا واتساعا بما يشعر به قلبه من السرور فلا يجد مانعا من النظر الصحيح فيما ألقي إليه فيتأمله وتظهر له عجائبه وتتضح له دلالته، فتتوجه إليه إرادته ويذعن له قلبه، بما يرى من ساطع النور الذي يستضيء لبه، وباهر البرهان الذي يتملك نفسه.
وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، قالوا : كيف يشرح صدره يا رسول الله ؟ قال :( نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح )، قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال :( الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت ).
ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء أي إن من رفسدت فطرته بالشرك وتدنست نفسه بالآثام والذنوب يجد في صدره ضيقا أيما ضيق إذا طلب إليه التأمل فيما يدعى له من دلائل التوحيد والنظر في الآفاق والأنفس، لما استحوذ على قلبه من باطل التقاليد والاستكبار عن مخالفة ما ألفه وسار عليه الناس، وتضعف إرادته عن ترك ما هو عليه فتكون إجابته الداعي إلى الدين الجديد ثقيلة عليه ويشعر بالعجز عن احتمالها ويكون مثله مثل من صعد في الطبقات العليا في جو السماء، إذ يشعر بضيق شديد في التنفس، وكلما صعد في الجو أكثر شعر بضيق أشد حتى إذا ما ارتفع إلى أعلى من ذلك شعر بتخلخل الهواء ولم يستطع سبيلا إلى البقاء فإن هو قد بقي فيها مات اختناقا.
وخلاصة ذلك : إن الله ضرب مثلا لضيق النفس المعنوي يجده من دعي إلى الحق وقد ألف الباطل وركن إليه، بضيق التنفس الذي يجده من صعد بطائرة إلى الطبقات العليا من الجو حتى لقد يشعر بأنه أشعر على الهلاك وهو لا محالة هالك إن لم يتدارك نفسه وينزل من هذا الجو إلى طبقات أسفل.
سبحانك ربي نطق كتابك الكريم بقضية لم يتفهم سرها البشر، ولم يفقه معرفة كنهها إلا بعد أن مضى على نزولها نحو أربعة عشر قرنا، وتقدم فن الطيران الآن علّم الطيارين بالتجربة صدق ما جاء في كتابك، ودل على صحة ما ثبت في علم الطبيعة من اختلاف الضغط الجوي في مختلف طبقات الهواء، وقد علم الآن أن الطبقات العليا أقل كثقافة في الهواء من الطبقات التي هي أسفل منها، وأنه كلما صعد الإنسان إلى طبقة أعلى شعر بالحاجة إلى الهواء وبضيق في التنفس نتيجة لقلة الهواء الذي يحتاج إليه، حتى لقد يحتاجون أحيانا إلى استعمال جهاز التنفس ليساعدهم على السير في تلك الطبقات.
وهذه الآيات وأمثالها لم يستطع العلماء أن يفسروها تفسيرا جليا لأنهم لم يهتدوا لسرها، وجاء الكشف الحديث وتقدم العلوم فأمكن شرح مغزاها وبيان المراد منها بحسب ما أثبته العلم، ومن هذا صح قولهم، الدين والعلم صنوان لا عدوان، وهكذا كلما تقدم العلم أرشد إلى إيضاح قضايا خفي أمرها على المتقدمين من العلماء والمفسرين.
كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون أي كما جعل الصدر ضيقا حرجا بالإسلام على هذا النحو في سنة الله وتقديره بما تقدم ذكره من الأسباب، يجعل الرجس على الذين يعرضون عن الأيمان، فيظهر أثر ذلك في تصرفاتهم وأعمالهم فيكون غالبا قبيحا سيئا في ذاته أو فيما بعث عليه من قصد ونية، لأن الإيمان الذي اجتنبوه هو الذي يصد عنه ويطهر الأنفس منه.
تفسير المراغي
المراغي