ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮ

ثم يأتي الحق سبحانه وتعالى لنا بقضية يقع فيها الجدل التبريري لبعض الناس الذين أسرفوا على أنفسهم، ويريدون أن يجعلوا إسرافهم على أنفسهم في الذنوب خاضعا لأن الله أراد منهم ذلك ؛ فيقول سبحانه :
فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنّما يصّعّد في السّماء كذلك يجعل الله الرّجس على الّذين لا يؤمنون ( ١٢٥ ) :
نجد من يقول إن ربنا حين يريد لإنسان أن يشرح صدره للإسلام فذلك من إرادة الله وما ذنب المكلف إذن ؟.
وللرد على هذا نقول : لقد عرفنا من قبل أن الهداية لها معنيان : المعنى الأول : الدلالة وهي أمر وارد وواجب حتى للكافر. فإن هدى الله للكافر أن يدله إلى طريق الخير، ولكن هناك هداية من نوع آخر وهي للذي آمن، ويصبح أهلا لمعونة الله بأن يخفف عنه أعباء التكاليف وييسرها له ويجعله يعشق كل الأوامر ويعشق البغض والتجافي عن كل النواهي.
يقول بعض الصالحين : " اللهم إني أخاف ألا تثيبني على طاعة، لأني أصبحت أشتهيها " كأنه عشق الطاعة بحيث لم يعد فيها مشقة أو تكليفا، لذلك فهو خائف، وكأنه قد فهم أنه لابد أن توجد مشقة، هذا الإنسان الصالح نقول : لقد فقدت الإحساس بمشقة التكليف لأنك عشقته فألفت العبادة كما ألفتك وعشقتك، وحدث الانجذاب بينك وبين الطاعة، وجعلت رسول الله مثلا لك وقدوة، فقد كان صلى الله عليه وسلم يرى أنه إذا نودي إلى الصلاة يقوم الناس إليها كسالى لكنه صلى الله عليه وسلم يقول لبلال حينما يأتي وقت الصلاة : " أرحنا بها يا بلال ".
وهذا غير ما يقوله بعض ممن يؤدون الصلاة الآن حيث يقول الواحد منهم : هيا نصل لنزيحها من على ظهورنا، وهؤلاء يؤدونها بالتكليف لا بالمحبة والعشق. أما الذين ألفوا الراحة بالصلاة حينما يحزبهم ويشتد عليهم أمر خارج عن نطاق أسبابهم، يقول الواحد منهم : ما دامت الصلاة تريح القلب، فلأذهب إليها وألقى ربي زائدا على أمر تكليفه لي متقربا إليه بالنوافل، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قم إلى الصلاة. ومعنى حزبه أن الأسباب البشرية لا تنهض به. فيقوم إلى الصلاة، وهذا أمر منطقي، ولله المثل الأعلى.
كان الإنسان منا طفل إذا ضايقه أمر يذهب إلى أبيه، فما بالنا إذا ما ضايقنا أمر فوق الأسباب المعطاة لنا من الله فلمن نروح ؟ إننا نلجأ لربنا ولقد كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة.
إذن فعشق التكليف شيء يدل على أنك ذقت حلاوة الطاعة، وقد يجوز أنه شاق عليك ؛ لأنه يخرجك أولا عما ألفت من الاعتياد. فعندما يأتيك أمر فيه مشقة تقول : إن هذه المشقة إنما يريد بها لي حسن الجزاء، فإذا ما عشقت الصلاة صارت حبا لك، وكان واحدا من الصالحين كما قلت يخاف ألا يثاب على الصلاة لأنها أصبحت شهوة نفس، والإنسان مطالب بأن يحارب نفسه في شهواتها لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لنا المثل فقال : " لا يؤمن أحدكم حتى يصبح هواه تبعا لما جئت به " أي يصبح ما يشتهيه موافقا لمنهج الله، فإذا وصل وانتهى المؤمن إلى هذه المنزلة فهو نعم العبد السوي.
وهكذا عرفنا أن الهداية قسمان : هداية بمعنى الدلالة، وهداية بمعنى المعونة.
فإذا ما اقتنعت بهداية الدلالة وآمنت بالحق فسبحانه يخفف عليك أمور التكليف. ويجعلك عاشقا لها، ولذلك يقول أهل الصلاح : ربنا قد فرض علينا خمس صلوات، وسبحانه يستحق منا الوقوف بين يديه أكثر من خمس مرات، وفرض علينا ربنا نصاب الزكاة وهو اثنان ونصف بالمائة، وسبحانه يستحق منا أكثر من ذلك لأنه واهب كل شيء، وهذا عشق التكليف، وهذا هو معنى قوله : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام .
فمن يرد أن يهديه أي يدله سبحانه كما دل كل العباد إلى النهج، لكن الذي اقتنع بالدلالة وآمن يسهل عليه تبعات التكليف مصداقا لقوله الحق :
ويزيد الله الّذين اهتدوا هدى والباقيات الصّالحات خيرٌ عند ربّك ثوابا وخيرٌ مردّا ( ٧٦ ) ( سورة مريم )، فهذه هداية المعونة، وفيه فرق هنا بين الإسلام والإيمان لأن الإيمان لا يحتاج فقط إلى الاعتقاد ؛ إنما هو حمل النفس على مطلوبات الإيمان. ولذلك نجد أن كبار رجال قريش رفضوا أن يقولوا : " لا إله إلا الله " ؛ لأنهم علموا أنها ليست مجرد كلمة تقال، ولكن لها مطلوبات تتعب في التكاليف الناتجة عنها ب " افعل " و " لا تفعل ". فالتكليف يقول لك " افعل " لشيء هو صعب عليك، ويقول لك : " لا تفعل " في شيء من الصعب أن تتركه، لذلك يقول سبحانه : فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ( من الآية ١٢٥ سورة الأنعام )، وسبحانه يشرح صدره للإسلام بعد أن علم أنه قد اعتقد شريعة التوحيد ورضيها واطمأن بها، فيأتي إلى فهم التكاليف ؛ لأن صحيح الإسلام يقتضي الانقياد لأمور التكاليف، فمن أخذ الهداية الأولى وآمن بربه، يوضح له سبحانه : آمنت بي وجئتني ؛ لذلك أخفف عنك تبعات العمل، ويشرح صدره للإسلام، وشرح الصدر قد يكون جزاءا. فسبحانه هو القائل : ألم نشرح لك صدرك ( ٤ ) ( سورة الشرح )
فقد جازاه ربنا بذلك ؛ لأنه أدى ما عليه وصمد. كأن الله يريد بالإيمان من المؤمن أن يقبل على الحق، وحينما يقبل على الحق، يبحث العبد ليتعرف على المراد والمطلوب منه فيعلم أنها التكاليف، فإذا رأى الله منك الاستعداد المتميز لقبول التكاليف، فإنه يخففها عنك لا بالتقليل منها، ولكن بأن يجعلك تشتهيها، وقد تلزم نفسك بأشياء فوق ما كلفك الله ؛ لتكون من أهل المودة ومن أهل المودة ومن أهل التجليات ومن الذين يدخلون مع الله في ود، وتلتفت لنفسك وأنت تقول : لقد كلفني الله بالقليل وسبحانه يستحق الكثير. فتزيد من طاعتك وتجد أمامك دائما الحديث القدسي :
" من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلى مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي ببطش بها، وجله التي يمشي بها١، أي بالأمور التي تزيد على ما كلفه في الصلاة والزكاة والصيام والحج.
إذن فمعنى " فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام } أي يجعل الأمور التي يظن بعض من الناس أنها متعبة فإنه بإقباله عليها وعشقه لها يجدها مريحة ويقبل عليها بشوق وخشوع. ولذلك فالحق سبحانه وتعالى يترك في خلفه مثلا للناس، فنجد المال عزيزا على النفس حريصة عليه لأنه إن كان المال قد جاء بطريق شرعه الله وأحله فهو يأتي بتعب وبكد ؛ لذلك يحرص عليه الإنسان، فيحنن الله العبد من أجل البذل والعطاء إننا نجد المؤمن يعطي للسائل لأن السائل هو الجسر الذي يسير عليه المسلم إلى الثواب من الله، فيقول العبد المؤمن للسائل : مرحبا بمن جاء ليحمل زادي إلى الآخرة بغير أجرة، ولذلك عندما جاء مسلم إلى الإمام علي رضي الله عنه وكرم وجهه قال المسلم : أنا أريد أن أعرف أأنا من أهل الدنيا أم من أهل الآخرة ؟
واختار الإمام علي مقياسا للإيمان في نفس كل مؤمن، وقال له : إن جاءك من يطلب منك، وجاء من يعطيك، فإن كنت تهش لمن يعطيك فأنت من أهل الدنيا، وإن كنت تهش لمن يأخذ منك فأنت من أهل الآخرة ؛ لأن الإنسان يحب من يعمر له ما يحب.
إذن ف يشرح صدره للإسلام أي يخفف عنه متاعب التكليف بحيث لا توجد مشقة، ثم يرتقي بعد ذلك ارتقاء آخر بأن يعشقه في التكليف. ويهديه الله إلى طريق الجنة، لأن هناك هداية إلى المنهج وهداية إلى الجزاء على المنهج، ولذلك نجد القرآن يقول ؛ عمن ضلوا :
إنّ الّذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا ( ١٦٨ ) إلا طريق جهنّم.. ( ١٦٩ ) [ سورة النساء ]
كأن هناك هداية إلى العمل وهداية إلى الجزاء، ونجد الحق يقول :
والّذين قتلوا في سبيل الله فلن يضلّ أعمالهم ( ٤ ) سيهديهم ويصلح بالهم ( ٥ ) ويدخلهم الجنّة عرّفها لهم ( ٦ ) [ سورة محمد ]
وقد يتساءل إنسان : كيف يهدي الله من قتل، وهل هناك تكليف بعد القتل ؟. نقول : انظر إلى الهداية، إنها هداية الجزاء سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنّة عرّفها لهم .
وهكذا نعرف أن هناك هداية الجزاء، من يحسن العمل يجزه الله الجنة، أما من يسئ فله عذاب في الدنيا والآخرة.
ومن يرد أن يضلّه يجعل صدره ضيّقا حرجا كأنّما يصّعّد في السّماء كذلك يجعل الله الرّجس على الّذين لا يؤمنون( ١٢٥ ) [ سورة الأنعام ]
وهل هذا تجن من الله على خلقه ؟ لا، لأنه مادام دعاهم للإيمان فآمن بعضهم وصاروا أهلا للتجليات، وكفر بعضهم فلم يؤمنوا، فصاروا أهلا للحرج وضيق الصدر. ومعنى الضيق أن الشيء يكون حجمه أقل مما يؤدي به مهمته، فحين يقال : ضاق البيت بي وبعيالي، فهذا يعني أن الرجل وزوجته عاشا في غرفتين، وكان البيت متسعا. ثم أنجبا عيالا كثيرة فضاق بهم البيت. وهكذا نعلم أنه لم يطرأ شيء على الجدران ومساحة البيت، لكن حين زاد عدد الأفراد شعر رب الأسرة بضيق المنزل. ويقال : صدره ضيّق أو ضيْق فقد ورد في القرآن لفظ ضيق على لغتين : فالحق يقول :
.. ولا تكن في ضيق مما يمكرون ( ١٢٧ ) [ سورة النحل ]
وهناك في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها توجد كلمة ضيّق، والحق يقول :
فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك.. ١٢ [ سورة هود ]
فما المراد من " ضائق "، و " ضيَق "، و " ضيْق " ؟. نعرف أن الصدر هو مكان الجارحتين الأساسيتين في التكوين : القلب والرئة، والرئة هي الجارحة التي لا تستمر الحياة إلا بعملها ؛ فقد تبطئ الأمعاء مثلا، أو تتوقف قليلا عن عملها، ويتغذى الإنسان على خزينه من الدهن أو اللحم ولذلك يصبر الإنسان على الجوع مدة طويلة، ويصبر على الماء مدة أقل، لكنه لا يصبر على افتقاد الهواء لدقائق، ولا صبر لأحد على ترك الشهيق والزفير.
ولقد قلنا من قبل : إن الحق سبحانه وتعالى قد يملك بعضا قوت بعض. وأقل منه أن يملك بعض ماء بعض، لكن أيملك أحد هواء أحد ؟ لا ؛ لأن الرضا والغضب أغيار في النفس البشرية. فإذا غضب إنسان على إنسان، وكان يملك الهواء وحبسه فالإنسان يموت قبل أن يرضى عنه هذا الآخر، ولذلك لم يملك الله الهواء لأحد من خلقه أبدا.
إذن كل المسألة المتعلقة بقوله : يجعل صدره ضيّقا حرجا نعلم عنها أن الصدر هو محل التنفس، والرئة تأخذ الأوكسجين وتطرد ثاني أوكسيد الكربون، وعندما يصاب الإنسان بنوبة برد نراه وهو يجد صعوبة في التنفس، كأن حيز الصدر صار ضيقا، فلا يدخل الهواء الكافي لتشغيل الرئتين، ويحاول الإنسان أن يعوض بالحركة ما فاته فينهج. ويشخص ذلك الأطباء ذلك بأن المريض يريد أن يأخذ ما يحتاجه إليه من الهواء فينهج ؛ لأن الحيز قد ضاق، وكذلك عندما يصعد الإنسان سلما، ينهج أيضا ؛ لأن الصعود يحتاج إلى مجهود، لمعاندة جاذبية الأرض، فالأرض لها جاذبية تشد الإنسان، ومن يصعد إنما يحتاج إلى قوة ليتحرك إلى الأعلى ويقاوم الجاذبية.
إننا نجد نزول السلم مريحا ؛ لأن في النزول مساعدة للجاذبية، لكن الصعود يحتاج إلى جهد أكثر، فإذا ضاق الصدر فمعنى ذلك أن حيز الصدر لم يعد قادرا على أن يأخذ الهواء بالتنفس بطريقة تريح الجسم، ولذلك يقال : " فلان صدره ضيق " أي أن التنفس يجهده إجهادا بحيث يح

١ رواه البخاري.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير