وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون١٢٩ يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين١٣٠ ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون١٣١ ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون [ الأنعام : ١٢٩ ١٣٢ ].
المعنى الجملي : بعد أن حكى عز اسمه عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضا ـ أردف ذلك ببيان أن ذلك يحدث بتقديره تعالى وقضائه.
الإيضاح : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون تولية الله الناس بعضهم بعضا : جعل بعضهم أنصارا وأولياء لبعض، إما بمقتضى أمره في شرعه ومقتضى سنته وتقديره كما في ولاية المؤمنين بعضهم بعضا في الحق والخير والمعروف فقد أمرهم بذلك في شرعه ونهاهم عن ضده، وهو أيضا مقتضى الإيمان الصادق وأثره الذي لا ينفك عنه بحسب تقديره الذي مضت به سننه في خلقه، وإما بمقتضى سننه وتقديره فحسب وهو ولاية الكفار المجرمين والمنافقين بعضهم بعضا، إذ هذا أثر مترتب على الاتفاق في الاعتقاد. والأخلاق واشتراك المنفعة بحسب تقديره تعالى وسنته في نظم الحياة البشرية، وهو لم يأمرهم بشيء مما يتناصرون به في الباطل والشر والمنكر، بل نهاهم عن ذلك، ولكن شأن الأفراد والجماعات أن يميل كل منهم إلى من كان على شاكلته ويتولاه بالتعاون والتناصر فيما هم فيه مشتركون ويناوئون من يخالفهم في ذلك.
أي ومثل ذلك الذي ذكر من استمتاع أولياء الإنس والجن بعضهم ببعض في الدنيا، لما بينهم من التناسب والمشاكلة نولي بعض الظالمين بعضا لأنفسهم وللناس، بسبب ما كانوا يكسبون باختيارهم من أعمال الظلم المشتركة بينهم.
روي عن قتادة أنه قال في تفسير الآية : إنما يولي الله بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن من أين كان وحيث كان والكافر ولي الكافر من أين كان وحيثما كان وليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولعمري لو عملت بطاعة الله ولم تعرف أهل طاعة الله ما ضرك ذلك، ولو عملت بمعصية الله وتوليت أهل طاعة الله ما نفعك ذلك شيئا اه.
وروى أبو الشيخ عن منصور بن أبي الأسود قال : سألت الأعمش عن قوله تعالى : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا ما سمعتهم يقولون فيه ؟ قال : سمعتهم يقولون : إذا فسد الناس أمر عليهم شرارهم اه. ذاك أن الملوك يتصرفون في الأمم الجاهلة الضالة تصرف الرعاة في الأنعام السائمة، فهم يتخذون الوزراء والحاشية من أمثالهم فيقلدهم جمهور الأمة في سيئ أعمالهم، فيغلب الفساد على الصلاح، ويفسقون عن أمر الله فيهلكون، أو يسلط عليهم الأمم القوية التي تستبيح حماهم وتثل عروشهم ويصبحون مستعبدين أذلاء بعد أن كانوا سادة أعزاء كما قال سبحانه : وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا [ الإسراء : ١٦ ].
أما الأمم العالمة بسنن الاجتماع التي أمرها شورى بين زعمائها وأهل الرأي فيها، فلا يستطيع الملوك أن يتصرفوا فيها كما يشاؤون، بل يكونون تحت مراقبة أولي الأمر فيها.
وقد وضع الإسلام هذا الدستور فجعل أمر الأمة بين أهل الحل والعقد، وأمر الرسول بالمشاورة، فسار على هذا النهج. وجعلت الولاية العامة الخلافة بالانتخاب.
واقتفى الخلفاء الراشدون خطواته وجروا على سنته فقال الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه في أول خطبة له : أما بعد فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإذا استقمت فأعينوني، وإذا زغت فقوموني.
وقال الخليفة الثاني على المنبر : من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقوّمه.. قال الخليفة الثالث على المنبر أيام الفتنة : أمري لأمركم تبع.
وقوله : الظالمين يشمل الظالمين لأنفسهم والظالمين للناس من الحكام وغيرهم، إذ كل من هؤلاء وأولئك يتولى من يشاكله في أخلاقه وأعماله وينصره على من يخالفه.
المعنى الجملي : بعد أن حكى عز اسمه عن الجن والإنس أن بعضهم يتولى بعضا ـ أردف ذلك ببيان أن ذلك يحدث بتقديره تعالى وقضائه.
تفسير المراغي
المراغي