ﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

يقول الله جل وعلا : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون١٢٩ ( الأنعام : الآية ١٢٩ ).
في هذه الآية الكريمة أوجه متقاربة من التفسير معروفة عند العلماء، لا يكذب بعضها بعضا، بل كلها حق. قوله جل وعلا : وكذلك أي : كما سلطنا شياطين الجن على شياطين الإنس حتى أغووهم واستكثروا منهم فأدخلوهم النار، كما تقدم في قوله : يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ( الأنعام : الآية ١٢٨ ) وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا في قوله : نولي أوجه معروفة :
أحدها : أن معنى : نوليهم عليهم أي : نوليهم ولاية تسليط، أي : نسلط بعض الظالمين على بعض فيضره ويؤذيه، ثم ننتقم من الجميع.

وما من يد إلا يد الله فوقها ولا ظالم إلا سيبلى بظالم
فكما سلطنا شياطين الجن على شياطين الإنس فأغووهم وأضروهم حتى أدخلوهم النار، كذلك نسلط بعض الظالمين عل بعض، فننتقم من بعض الظالمين ببعضهم، ثم ننتقم من الجميع. واختار أبو جعفر بن جرير الطبري أن معنى : نولي بعض الظالمين بعضا أي : نجعل بعضهم له بقوله : وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتعنا بعضنا ببعض ( الأنعام : الآية ١٢٨ ).
وكان قتادة يقول : نولي بعض الظالمين أي : نتابعهم طائفة بعد طائفة في النار يوم القيامة، كما سيأتي في قوله لما ذكر الجن والإنس : قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها ( الأعراف : الآية ٣٨ ) وكونه يوم القيامة بالموالاة في النار ليس بأظهرها، بل إنما هو تسليط بعضهم على بعض، فيؤذيه انتقاما من الله من بعض الظلمة ببعض، أو يولى بعضهم لبعض، لأن الكافرين بعضهم أولياء بعض، كما صرحوا به لله في قوله : وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض ( الأنعام : الآية ١٢٨ ) وجاء في حديث أخرجه ابن عساكر :" من سلط ظالما أعانه الله عليه " وهو من تولية بعض الظالمين على بعض. والحديث فيه غرابة معروفة ( غريب ). ولما سمع عبد الله بن الزبير بقتل عبد الملك للأشدق ذكر هذه الآية : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا يريد أن معناه عنده : أن الله ينتقم من بعض الظالمين ببعض. هذا جل أقوال العلماء في معنى : نولي .
وأما ( الظالمين ) فهو جمع تصحيح للظالم، والظالم : اسم فاعل الظلم، والظلم في لغة العرب : هو وضع الشيء في غير موضعه، وكل من وضع شيئا في غير موضعه فهو ظالم في لغة العرب، ومنه يقولون للذي يضرب لبنه قبل أن يروب : هذا ظالم، لأنه وضع الضرب في غير موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده، وفي لغز الحريري في مقاماته : هل يجوز أن يكون القاضي ظالما ؟ قال : نعم إذا كان عالما. يعني كونه ظالما : أنه يضرب لبنه قبل أن يروب. وهذا المعنى مطروق في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
وقائلة : ظلمت لكم سقائي وهل يخفى على العكد الظليم ؟
( ظلمت لكم سقائي ) تعني : أنها ضربته لهم فشربوه قبل أن يروب. وقوله :
" وهل يخفى على العكد الظليم " العكد : عصب اللسان، لايخفى عليه اللبن المضروب قبل أن يروب من غيره. ومنه بهذا المعنى قول الآخر في سقاء له فيه لبن :
وصاحب صدق لم تربني شكاته ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر
يعني أنه سقى الناس به قبل أن يروب. وفي هذا الضرب هو يريد الأجر، لأنه صدقة منه، ولذا قال :
وصاحب صدق لم تربني شكاته ظلمت، وفي ظلمي له عامدا أجر
ومن هنا كانت العرب تسمي الأرض التي لم تحفر، وليست محلا للحفر، إذا حفرت :( مظلومة ) لأن الحفر وضع في غير موضعه. ومنه على التحقيق قول نابغة ذبيان :
إلا الأواري لأيا ما أبينها والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد
أي : بالأرض التي ليست محلا لأن يحفر فيها، وحفر النؤي فيها حفر في غير محله، لأنها في فلاة من الأرض. هذا هو التحقيق، دون قول من قال : إن الأرض المظلومة : التي تأخر عنها المطر. هذا ليس بالصحيح في معنى البيت. ومنه تقول العرب للتراب الذي يخرج من القبر إذا حفر، تقول له : ظليم، ( فعيل ) بمعنى ( مفعول ) أي : مظلوم، لأن العادة أن القبور إنما تحفر في المحال التي ليس من شأنها أن يحفر فيها سابقا، وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر يذكر ميتا :
فأصبح في غبراء بعد إشاحة من العيش، مردود عليها ظليمها.
يعني ب ( غبراء ومردود عليها ظليمها ) أي : الأرض التي أخرجت منها عند الحفر ردت عليها عند الدفن. هذا أصل الظلم في لغة العرب، هو وضع الشيء في غير موضعه. وقد جاء في القرآن في موضع واحد معناه : النقص، وهو تنقص منه شيئا. إذا عرفتم أن الظلم في لغة العرب هو وضع الشيء في غير موضعه، اعلموا أن وضع الشيء في غير موضعه على نوعين :
أحدهما : أن يكون بالغا في غاية القباحة والشناعة.
والثاني : أن يكون دون ذلك.
أما وضع الشيء في غير موضعه البالغ غاية الشناعة : فهو وضع العبادة في غير خالق السماوات والأرض، فمن عبد غير الذي خلقه ورزقه فقد وضع الأمر في غير موضعه، فهو أعظم الظالمين، وأخبث الواضعين للشيء في غير موضعه ولهذا المعنى كثر في القرآن العظيم إطلاق الظلم مرادا به الكفر، وهو أخبث أنواعه، ومنه قوله : أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا ( الكهف : الآية ٥٠ ) وقوله : والكافرون هم الظالمون ( البقرة : الآية ٢٥٤ ) وقوله : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين١٠٦ ( يونس : الآية ١٠٦ ) وقال عن العبد الحكيم لقمان : يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ( لقمان : الآية ١٣ ) وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر قوله في هذه السورة الكريمة –سورة الأنعام- الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم ( الأنعام : الآية ٨٢ ) قٌال : معناه لم يلبسوا إيمانهم بشرك.
النوع الثاني من أنواع الظلم : هو وضع الطاعة في غير موضعها، والمعصية في غير معصيتها بما لا يؤدي إلى الكفر، كأن يزين لك الشيطان أن تعمل عملا يخالف الشرع فتطيع الشيطان، وتعصي الله، وأنت عالم أنك عاص مجرم، وأنك فعلت قبيحا، فهذا ظلم دون ظلم، ووضع للطاعة في غير موضعها، وليس بكفر، وهو ظلم دون ظلم. ومنه بهذا المعنى : قوله تعالى في سورة فاطر لما نوه بشأن القرآن العظيم، وأنه أعظم فضل أعطيه الخلق، وأن جميع الأمة التي أعطي لها هي قد اصطفاها الله، وأن كلها في الجنة، قال : ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا ( فاطر : الآية ٣٢ ) وبين أن هذا النور المنزل لا يعطيه الله، ثم قال : فمنهم ظالم لنفسه وهذا ظلم دون ظلم، كالذي يعصي تارة ويطيع أخرى، من الذين قال الله فيهم : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ( التوبة : الآية ١٠٢ ) والعلماء يقولون : " عسى " من الله واجبة. ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ثم قال : ذلك هو الفضل الكبير أي : إيراثنا الكتاب إياهم عن نبيهم هو الفضل العظيم عليهم منا، فلذا علمنا الله أن نحمده على هذا الفضل العظيم في قوله في أول سورة الكهف : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا١ ( الكهف : الآية ١ ) أي : لم يجعل فيه اعوجاجا ما، لا في معانيه، ولا في ألفاظه، ولا في أحكامه، ولا في أخباره، أخباره كلها حق، صدق، وأحكامه كلها عدل، وهو في غاية الاستقامة، لم يجعل الله فيه اعوجاجا قيما أي : مستقيما في غاية الاستقامة. ثم لما ذكر هذه الأصناف الثلاثة التي انقسمت إليها أمة الكتاب الذي أورثت إياه بدأ بالظالم لنفسه في قوله : فمنهم ظالم لنفسه ثم وعد الجميع بوعده الصادق الذي لا يخلف دخول الجنة، قال جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير٣٣ وقالو الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور٣٤ الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب٣٥ ( فاطر : الآيات ٣٣-٣٥ ) فهذا الظالم المعدود ممن أورثوا الكتاب، الموعود بالجنة، ظلمه : ظلم دون ظلم. وأصح التفسيرات في ( الظالم )، و( المقتصد )، و( السابق )، فيما يظهر :
أن( الظالم ) هو من يطيع الشيطان مرة، ويعصيه أخرى، ويطيع الله مرة، وربما عصاه، من الذين قال الله فيهم : خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ( التوبة : الآية ١٠٢ ).
والمقتصد : هو الذي يمتثل أوامر الله، ويجتنب نواهي الله، ولكنه لا يتقرب بزيادة الطاعات الغير الواجبة.
وأما السابق بالخيرات : فهو الذي يجتنب محارم الله، ويمتثل أوامر الله، ويستكثر من القربات والطاعات الغير الواجبة مرضاة لله.
وفي آية فاطر هذه- التي ذكرناها استطرادا- فيها سؤال معروف، وهو أن يقال : كيف بدأ الله بالظالم في هذه الآية، وقدمه على المقتصد، وأخره على السابق بالخيرات، مع أنهما خير من الظالم، وخيرهم السابق بالخيرات، ثم المقتصد، ثم الظالم. فلم قدم هذا الذي غيره أفضل منه ؟
وللعلماء عن هذا التقديم أجوبة معروفة، منها :
أن هذا إظهار كرم من الله يستدعيهم بالقرآن بفضل آثاره على الأمة التي أورثت إياه، فبدأ بالظالم لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات لئلا يعجب بعمله فيحبط.
وقال بعض العلماء : أكثر أهل الجنة الخطاؤون الذين يظلمون أنفسهم، يخالفون مرة وينيبون إلى الله. وأما السابقون بالخير فقليل جدا، والمقتصدون أقل من الظالمين، ولذا لما سئلت عائشة رضي الله عنها عن معنى هذه الآية قالت : المقتصد الذي ربما خاف، مثلي ومثلك- جعلت نفسها من الظالمين – فقدم الظالمين لأنفسهم لأنهم أكثر أهل الجنة، والأكثرية لها شأن، فعلم من هذه الآية أن الظلم قد يكون ظلما دون ظلم، والظلم معناه : وضع الشيء في غير موضعه، تارة يعظم فيكون كفرا، وتارة يكون ظلما دون ظلم فلا يكون كفرا. وهذا معنى قوله : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا أي : نولي البعض منهم البعض الآخر، كما بينا.
وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون١٢٩ وهذه التولية بينهم هي : تسليط بعضهم على بعض ليؤذيه ويضره، أو : جعل بعضهم وليا للآخر أو قرينا له، كلها بسبب ما كانوا يعملونه، فعلى أنها تسليط فهي انتقام منه لعمله السيء، وعلى أنها ولاية بعضهم البعض فهي بسبب اتحادهم بالعمل الخبيث والعمل الشيء، لأن الخبيث ولي الخبيث، والكافر ولي الكافر، والناس يوم القيامة أزواج، أي : أصناف، كل خبيث يحشر مع من يطابقه من الخبثاء. كما سيأتي في قوله : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ( الصافات : الآية ٢٢ ) أي : أصنافهم وأشكالهم الملائمين لهم الخبيث – والعياذ بالله-. وهذا معنى قوله : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون١٢٩ ( الأنعام : الآية ١٢٩ ).

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير