الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَ من الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ :
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا :
فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ :
الْأَوَّلُ : هَادُوا : تَابُوا. هَادَ يَهُودُ : تَابَ.
الثَّانِي : هَادَ : إذَا سَكَنَ.
الثَّالِثُ : هَادَ : فَتَرَ.
الرَّابِعُ : هَادَ : دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ. وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : كُونُوا هُودًا أَيْ يَهُودًا. ثُمَّ حَذَفَ الْيَاءَ.
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ التَّائِبُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ : إنَّا هُدْنَا إلَيْك ؛ أَيْ تُبْنَا، وَكُلُّ تَائِبٍ إلَى رَبِّهِ : سَاكِنٌ إلَيْهِ فَاتِرٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ. وَهَذَا مَعْنَى مُتَقَارِبٍ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ : كُلَّ ذِي ظُفُرٍ :
يَعْنِي مَا لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الْأَصَابِعِ، كَالْإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَالْإِوَزِّ وَالْبَطِّ ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَصِيدُ بِظُفْرِهِ : من [ سِبَاعِ ] الطَّيْرِ وَالْكِلَابِ.
وَالْحَوَايَا : وَاحِدُهَا حَاوِيَاءُ أَوْ حَوِيَّةٌ ؛ وَهِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : الْمَبَاعِرُ.
الثَّانِي : أَنَّهَا خَزَائِنُ اللَّبَنِ.
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْأَمْعَاءُ الَّتِي عَلَيْهَا الشُّحُومُ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبَاحَ لَهُمْ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى طَرِيقِ التَّشْدِيدِ فِي التَّكْلِيفِ لِعَظِيمِ الْحُرْمِ، وَزَوَالِ الْحَرَجِ بِمُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - [ وَأُمَّتِهِ ]، وَأَلْزَمَ جَمِيعَ الْخَلِيقَةِ دِينَ الْإِسْلَامِ بِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ؛ فَإِذَا ذَبَحُوا أَنْعَامَهُمْ فَأَكَلُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ، وَتَرَكُوا مَا حَرَّمَ، فَهَل يَحِلُّ لَنَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : هِيَ مُحَرَّمَةٌ [ عَلَيْهِمْ ].
وَقَالَ فِي سَمَاعِ الْمَبْسُوطِ : هِيَ مُحَلَّلَةٌ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَكْرَهُهُ. وَالصَّحِيحُ أَكْلُهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بِالْإِسْلَامِ.
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ بَقِيَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ عِنْدَ الذَّكَاةِ.
قُلْنَا : هَذَا لَا يُؤَثِّرُ ؛ لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَلَوْ ذَبَحُوا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ؛ فَقَالَ أَصْبَغُ : كُلُّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي كِتَابِ اللَّهِ من ذَبَائِحِهِمْ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ. وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ من هُمْ لَيْسَ بِذَكَاةٍ.
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ ذَنْبٍ ؛ لِأَنَّهُ ضَيِّقٌ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ السِّعَةِ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْمَوْجِدَةِ.
أحكام القرآن
ابن العربي