ﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁ

يقول الله جل وعلا : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون١٤٦ ( الأنعام : الآية ١٤٦ ).
لما بين الله ( جل وعلا ) أشياء حرمها على هذه الأمة على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، وكان حرمها عليهم لمصالح معلومة عنده ( جل وعلا )، بين أنه حرم على اليهود بعض الأشياء مؤاخدة لهم وجزاء لهم باجترامهم السيئات، تقول :" وعلى الذين هادوا " المراد بالذين هادوا هنا : اليهود، والعرب تقول :" هاد يهود " إذا تاب من ذنبه ورجع إلى الصواب. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول الله في الأعراف عن نبيه موسى : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك ( الأعراف : الآية١٠٦ ) أي : تبنا ورجعنا منيبين إليك. فمعنى( هاد، يهود ) : إذا رجع تائبا إلى الحق، متنصلا من ذنبه. واسم فاعله :( هائد )، ويجمع على ( هود )، ومنه : كونوا هودا أو نصارى ( البقرة : الآية ١٣٥ ) وجمع( الفاعل ) على ( فعل ) مسموع في أوزان قليلة، وكهائد وهود، وحائل وحول، وعائذ وعوذ، وبازل وبزل. وقد قال بعض الأدباء :
يا صاحب الذنب هد هد *** واسجد كأنك هدهد
فقوله أولا : " هد، هد " معنها : تب، تب. " واسجد كأنك هدهد " وهو الطائر المعروف. يعني : وإنما قيل لليهود : الذين هادوا لأنه في تاريخهم توبة عظيمة سجلها لهم القرآن، وهي توبتهم من عبادة العجل، لما رجع موسى من الميقات من الطور، ووجدهم يعبدون العجل، جاء الوحي بأن الله لا يقبل توبة أحد منهم حتى يقدم نفسه للموت، كما قدمنا إيضاحه في البقرة في قوله : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم ( البقرة : الآية ٥٤ ) أي : فقدمتم أنفسكم فتاب عليكم. هذه التوبة التي تجر الإنسان إلى أن يقدم نفسه لله صابرا محتسبا على الموت توبة عظيمة سجلها لهم القرآن، ولذلك ربما أطلق عليهم اسم :( الذين هادوا ) : تابوا. أي : بتلك التوبة المعروفة، وإن كانت هذه حسنة فخسائسهم المذكرة في القرآن لا تكاد أن تحصر.
وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر كل ذي ظفر معناه : أن كل حيوان له إصبع فيها ظفر، حرام على اليهود، ومن ذلك : الإبل، والنعام، والإوز، والبط، وماجرى مجرى ذلك، لأن كل هذه من دوات الظفر، فكل حيوان ذي ظفر كان محرما على اليهود جميعه، شحمه ولحمه، كالأنعام، وكالإبل، وكالبط، والإوز، وما جرى مجرى ذلك.
وقول بعض العلماء : الظفر : الحافر، فإنه يحرم عليهم كل ذات حافر. غير صحيح، لأنهم يعدون أظافر البقر والغنم من ذوات الحوافر، ولحومها مباحة لهم كما سيأتي.
وقول بعضهم : المراد بذات الظفر هي : ذات المخالب، أو ذات السباع من الطير. لا يساعده لفظ القرآن، فالصحيح أنه ما كالبعير، وما كالنعامة، وما كالبط، وما كالإوز، وما جرى مجرى ذلك.
وقوله : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها أي : حرمنا عليهم شحوم البقر والغنم لا لحومها.
والتحقيق : أن الشحوم المحرمة عليهم من البقر، والغنم مقصورة على الثروب، وشحم الكليتين.
والثروب : جمع ثرب، وهو الغطاء-الغشاء- من الشحم الرقيق الذي يغطي الجوف فيكون على الكرش والمصارين. هذا هو وشحم الكلى هو الحرام عليهم، أما غيره فيدخل فالاستثناءات الآتية، ولذا قال : حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورها قرأ بعض السبعة : إلا ما حملت ظهورها بإظهار التاء، وقرأ بعضهم : إلا ما حملت ظهورها بالإدغام –الإدغام الصغير -يعني : أن ما علق بظهر البقر والغنم من الشحوم، كالشرائح التي تكون على الظهر من الشحم، فإنها مباحة لهم.
وقوله : أو الحوايا التحقيق أن أو الحوايا في محل رفع معطوف على الظهور، يعني : إلا ما حملت ظهورهما أو ما حملته الحوايا، فهو مستثنى بالتحريم، خلافا لمن زعم أن الحوايا يعني منصوبا معطوفا على شحومها، حرمنا عليهم شحومها أو الحوايا، فهي محرمة، فهذا القول ضعيف مرجوح. والمعنى : أن ما حملته الظهور من الشحوم حلال لهم، وما حملته الحوايا.
والحوايا : تختلف فيها عبارات المفسرين بألفاظ متقاربة، معناها راجع إلى شيء واحد. منهم من يقول : هي بنات اللبن، ويسمونها بأسماء، والتحقيق : أنها كل ما كان مدورا في البطن مما يسمى : الدوارة، والمصارين، ومحل البعر الذي يخرج منه. ما تعلق بذلك الجوف من الشحوم غير الثروب التي هي غشاء فوق الجوف، كل ما تعلق بذلك فهو حلال لهم. وهذا معنى : أو الحوايا وهو جمع ( حاوية )، كقاصعة وقاصعاء. وقيل : جمع( حوية ) ك :( فعيلة ) و( فاعلة ). وهي ما احتوت عليه البطن من الأمعاء، وما جرى مجراها من الدوارة، والمباعر، ونحو ذلك. فالمتعلق بهذا من الشحم لا يحرم عليهم، وإنما يحرم عليهم الثروب، وهي الغشاء الذي فوق الكرش والأمعاء من الشحم، وشحم الكلى. وهذا معنى قوله : أو الحوايا أو ما اختلط بعظم .
والتحقيق أن : أو ما اختلط بعظم معطوف على المستثنى الحلال، أي : فما اختلط بالعظم فهو حلال لهم، فكل شحم مختلط بعظم كالشحم الذي يكون في عظام البقرة والشاة فكله حلال لهم.
ويدخل فيه الذنب الكبير السمين الذي يسمى الإلية فإنه مختلط بعظم، لأنه مختلط بعظم العصعص، وهو عجب الذنب المعروف. ويدخل في فيما اختلط بعظم : شحم العينين، وشحم الأذنين، وكل شحم اختلط فإنه حلال لهم. وهذه الاستثناءات تبين أن الحرام عليهم إنما هو الثروب، وشحم الكلى فقط. وهذا معنى قوله : أو ما اختلط بعظم .
ثم بين الله أنه حرم عليهم بعض هذه المحرمات بسبب ظلمهم، فضيق عليهم بالتحريم لمخالفتهم واجترامهم، كما بينه في النساء بقوله : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا١٦٠ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ( النساء : الآيتان ١٦٠-١٦١ ) أي : وقتلهم الأنبياء، وتحريفهم للكتب، كل هذه الذنوب حرم عليهم بسببها بعض الطيبات، ولذا كان نبي الله عيسى ابن مريم ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ) بعث بأن يكون جميع عمله وأحكامه في الغالب عملا بالتوراة، ولا يزيد إلا أن يحلل لهم بعض ما حرم عليهم بسبب ذنوبهم كما سيأتي في قوله عن عيسى ابن مريم : ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم ( آل عمران : الآية ٥٠ ) فجاء تخفيف وتحليل على لسان عيسى ابن مريم، ولكنهم- قبحهم الله- لعداوته لم يقبلوا منه شيئا، وزعموا أنه لبن زانية !
+وقد يشكل على كثير من الناس أن من يزعمون أنهم على دين النصرانية دائما يفصلون الدين من السياسة، ويزعمون أن الدين مقتصر على الكنيسة، وأنه لا دخل له في تنظيم العلاقات البشرية، والأعمال الدنيوية ! وسبب ذلك : أن النصارى يزعمون أنهم على دين عيسى ابن مريم، ودين عيسى ابن مريم جل شريعته التي فيها الحلال، والحرام، والحدود، وإقامة صلاح المجتمع إنما هو بالكتاب الذي هو التوراة، وفي الإنجيل زيادات ليس فيها شرع قائم مستقل، فالنصارى لشدة بغضهم لموسى كذبوا بكتابه، ولم يأخذوا من شريعة عيسى إلا ما اختص به الإنجيل، وتركوا ما في التوراة مما بعث عيسى بالعمل به، وصارت ليس في الإنجيل شريعة كاملة وافية يفصل فيها الحلال والحرام وأحكام علاقات الدنيا، فاضطروا إلى أن يجعلوا تشريعا سموه ( الأمانة الكبرى ) وهي الخيانة العظمى ! كما هو معروف في تاريخهم. أما التوراة فهو كتاب فيه شرع واضح تبين فيه العقائد، والحلال والحرام، وكل شيء، كما قال الله( جل وعلا ) عن التوراة : وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء ( الأعراف : الآية ١٤٥ ) مع أن الإنجيل جاء به بعض الأحكام : وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ( المائدة : الآية ٤٧ ). وكثير من أحكام الإنجيل يحال فيها على ما أنزل الله على موسى في التوراة، كما قال الله في التوراة : إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار ( المائدة : الآية ٤٤ ). وهذا معنى قوله : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومها إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم .
ذلك جزيناهم ذلك التحريم والتضييق جزيناهم بسبب بغيهم، أي : كفرهم، وظلمهم، وعدوانهم، كما بينه بقوله : وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ١٥٦ وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ( النساء : الآيتان ١٥٦-١٥٧ ) وقوله : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا١٦٠ وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ( النساء : الآيتان ١٦٠-١٦١ ) وكقوله : وقتلهم الأنبياء بغير حق ( النساء : الآية ١٥٥ ) وقوله : ويقتلون النبيين بغر حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس ( آل عمران : الآية ٢١ ) هذا الظلم والبغي حرم الله عليهم بسببه بعض ما كان حلالا عليهم، كما قال هنا : ذلك جزيناهم ببغيهم .
وفي إعراب ( ذلك ) وجهان معروفان :
أحدهما : أنها في محل رفع. الأمر الذي قصصنا عليك جزيناهم ذلك الجزاء ببغيهم.
الثاني : أنها في محل نصب بمصدر، أي : جزيناهم ذلك الجزاء، وهذا الإعراب اختاره غير واحد. ولكن ابن مالك قال : إن اسم الإشارة لا يكون منصوبا على المصدر إلا إذا ذكر بعده المصدر، كأن تقول : قمت هذا القيام، وقعدت ذلك القعود. أما لو لم تذكر بعده المصدر كأن قلت : " قمت هذا " تعني : القيام، أو " جلست هذا " تعني : الجلوس، يزعم ابن مالك أن هذا لا يجوز وقال بعض العلماء : هي مفعول أول ل( جزيناهم )، لأن ( جزى ) تتعدى لمفعولين، تقول : جزيت عمرا خيرا، وجزيته شرا، فتكون ( ذلك ) أحد مفعولي( جزى )، أي : جزيناهم ذلك الجزاء ببغيهم، فتكون مفعولا به مقدما، وعليه فلا إشكال.
والبغي : أصله الإرادة، وكثيرا ما يستعمل في إرادة الظلم.
وقوله : وإنا لصادقون صيغة الجمع للتعظيم. والله يقول : إني لصادق. معظما نفسه، ومعلوم أن الله صادقا على كل حال، ومن أصدق من الله قيلا ( النساء : الآية ١٢٢ )، ومن أصدق من الله حديثا ( النساء : الآية ٨٧ ). والسبب في هذا أن اليهود زعموا أن هذا الذي حرم عليهم لم يكن جزاء ولا عقوبة، بل إنما كان حراما على إسرائيل، حرمه إسرائيل على نفسه فاقتدوا به. وقد تقدم أن الله أكذبهم في هذه الدعوى وألقمهم فيها حجرا في سورة آل عمران، في قوله : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين٩٣ ( آل عمران : الآية ٩٣ ) فلما أفحمهم وقال : قل فأتوا بالتوراة إن كنتم صادقين خجلوا ولم يأتوا بالتوراة، وعلموا أن القرآن مهيمن على الكتاب، كما قال : ومهيمنا عليه ( المائدة : الآية ٤٨ ) ولذا قال هنا : وإنا لصادقون ، فيما ذكرنا من أنا حرمنا عليهم ذلك لظلمهم، لا أنه حرمه إسرائيل على نفسه، والذي حرمه إسرائيل على نفسه قد قدمنا في سورة آل عمران أن المفسرين يذكرون أن نبي الله يعقوب أصابه المسمى بعرق النسا وآلمه

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير