(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ... (١٤٦)
* * *
بعد أن بين الله ما أحل للمسلمين وما حرم، وأنه فتح باب إباحة الطيبات بإطلاق فكل طيب حلال، وقد استنكر في عدة آيات كريمات على من حرم الطيبات التي أحلهِا الله، ونهى عن تحريم الطيبات، وقال تعالت كلماته: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا).
بعد هذا بين سبحانه وتعالى أنه قد يحرم طيبات هي في ذاتها طيبات، ولكنها تزيد أدواء بعض النفوس، فيكون التحريم خاصا بمن حرم عليهم، ولا يكون عاما لكل الناس، كالدواء يكون غير جائز للأصحاء، ولكنه لازم للمرضى.
واليهود أصيبوا بالتخمة والترهل، وأدى ذلك إلى خمول وكسل، ومع الخمول والكسل، يكون القعود، ودعاهم سيدنا موسى إلى أن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لهم أن يدخلوها، لَا أن يملكوها لهم دون سائر الناسِ، قالوا له متخاذلين بسبب ترهل أجسامهم: (إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُون).
ويقولون أيضا: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدونَ).
كان لَا بد من علاج لترهل أجسامهم وذهاب النخوة من نفوسهم. أما الثاني فرباهم على اليأس بأن يعيشوا في الأرض تائهين في صحرائها، فقال تعالى: (... فَإِنُّهَا محَرَّمَة عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ...)، وأما الأول وهو ترهل الأجسام وكسلهم، فقد عالجه سبحانه بأن حرم عليهم ما يؤدي إلى ترهل الأجسام من شحوم، ولحوم تربي الدهن في الأجسام، وتثقل عليهم حركاتهم. ولذا قال سبحانه.
(وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كلَّ ذِي ظُفُرٍ) حرم الله تعالى على اليهود كل ذي ظفر من الأنعام. وذو الظفر - كما قال ابن جرير رضي الله تعالى عنه - كالبهائم التي لم تكن مشقوقة الأصابع كالإبل، والطير والأنعام والأوز والبط، والحيتان.
ويلاحظ أن هذه المحرمات تمتاز بكثرة الشحم، فالإبل لها سنام كله شحم، والأوز والبط هي شحوم قليل لحمها، وذو الظفر كما ترى قد فسرت به، وكل حيوان لم تنفرج أطراف أرجلها، وكان التحريم لهذا المعنى الذي ذكرناه، وفطما لنفوسهم، وفطم النفوس يعطيها قوة إرادة، ويجعل للعقل سيطرة على أفعالهم.
(وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا).
هذا هو القسم الثاني مما حرمه الله تعالى، وقد نص على الشحوم مما يدل على سبب التحريم في الماضي فوق أنه يقال إن أكل لحوم الإبل يقسَّي القلب، وقلوبهم قاسية.
وهنا نرى علاج الله تعالى لأجسامهم مع ملاحظة الرحمة بنفوسهم، فقد حرم سبحانه وتعالى الشحوم لما تؤدي إليه من ترهل، وضخامة، مع ضعف قوته وعزيمته، ومع قسوة النفس، وضعف الإحساس، ولكنه استثنى ما لَا يستطيعون عليه صبرا؛ استثنى أولا ما حملت ظهور البقر والغنم لطيب طعامها، ولأنها ليست شحوما كثيرة، ولا تؤدي إلى الترهل الكثير، واستثنى أيضا سبحانه: (أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ). (الحَوَايَا) جمع مفرده حاوية أو حَوْي، وهو ما تحوي واجتمع في البطن، وتشمل المعدة والأمعاء، ومواضع اللبن وأبيح ما حملت من شحم، كما أبيحت هي، وذلك لصعوبة فصله وإخراجه، وكان ذلك تيسيرا وتخفيفا في موضع التحريم، وتسهيلا للاستجابة إن كانوا طائعين.
وأن ذلك التحريم كان علاجا لأجسامهم، ولكسلهم، وفطما لنفوسهم، وتزكية لأرواحهم، وإرهافا لمداركهم وأجسامهم، ولذا قال تعالى:
(ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ) البغي هو الظلم، والظلم يشمل ظلمهم لأنفسهم بانطلاقهم في أكل ما يشتهون، وتسمن به أجسامهم، ويشمل بغيهم على غيرهم بالاعتداء والفحشاء، ويشمل ارتكابهم المعاصي ما ظهر منها وما بطن، ودلت الإشارة فيه إلى ما حرمه تعالى عليهم وفطم به نفوسهم الشرهة، وهذا كقوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ). وإن هذا التحريم كان تطهيرا لنفوسهم وتقوية لأجسامهم، وجزاء دنيويا على ما اقترفوا من طغيان.
وإن الإسلام أحل لهم الطيبات كلها، وقد قال الله تعالى ذلك عند بشارته بالنبي الأُميِّ، فقال تعالى: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ...).
والله تعالى ولي النعم.
وختم الله تعالى الآية بقوله تعالى:
(وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) الصدق معنى جامع لكل المعاني العالية، والصدق هنا هو الإخبار بالحق الذي لَا مرية فيه، وكيف نشك في خبر حكاه الله رب العالمين، ويشمل العدل في الجزاء الذي جازى به بني إسرائيل على طغيانهم، وعتوهم ويشمل صدق الدواء الذي عالج ترهلهم، وإفسادهم لأجسامهم بشهواتهم، وإفراطهم إلى غير حد محدود، وقد أكد الله سبحانه وتعالى صدقه في خبره وعدالته وعلاجه لأدواء جسمهم ونفوسهم بمؤكدات ثلاثة، أولها - الجملة الاسمية، وثانيها - (إنَّ) المؤكدة، وثالثها - اللام، والله تعالى هو العلي الكبير.
* * *
(فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧) سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)
* * *
إن الله سبحانه وتعالى في حكمته البالغة لَا يجعل الكافر في يأس من مغفرته، ولا يطمع في أن ينجو من عقابه إن أصر على معصيته، ولم يتب وهو في عافية وقوة، ولذا قال تعالى:
صفحة رقم 2718زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة