ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

الواو في قوله : فإن كذبوك قال بعض العلماء : راجعة إلى اليهود، لأنهم أقرب من ذكر في قوله : وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر فإن كذبوك وقالوا : لم تحرم علينا هذه الأشياء جزاء بغينا، بل ما كان حراما علينا إلا ما حرمه إسرائيل على نفسه فقل ربكم ذو رحمة واسعة .
الوجه الثاني : أنه راجع إلى كفار مكة الذين أرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وبين لهم أن شركهم بالله باطل، وأن تشريعهم الحلال والحرام بالكذب باطل. فإن كذبوك وقالوا : ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكرونا ومحرم على أزواجنا، والبحيرة حق، والسائبة حق، وما جرى مجرى ذلك، فقل : ربكم ذو رحمة واسعة.
وقال بعض العلماء : يرجع إلى الجميع، فإن كذبك الكفرة المعادون المعاندون من مشركين ويهود فقل لهم : ربكم الذي أنشأكم وأوجدكم ذو رحمة واسعة، إلا أن هذه الرحمة الواسعة ذكر الله في سورة الأعراف أنها مخصوصة بالمتقين حيث قال : ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ( الأعراف : الآية ١٥٦ ) لا لكل كافر وفاجر.
وقد قدمنا في تفسير ( البسملة )و( الفاتحة ) أن ( الرحمة ) صفة من صفات الله، اشتق لنفسه منها اسم( الرحمان )و( الرحيم )، وأن ( الرحمان ) هو : ذو الرحمة الشاملة في الدنيا لجميع المخلوقين[ في الدنيا، و( الرحيم ) : هو الذي يرحم عباده المؤمنين في الآخرة ] (... ) ( في هذا الموضع وجد انقطاع في التسجيل، وجرت عادة الشيخ رحمه الله في مثل هذا الموضع أن يذكر عقيدة أهل السنة في باب الصفات، وأنها تنبني على ثلاثة أسس، ثم يذكر عقيدة المتكلمين في هذا الباب وتقسيمهم الصفات قسمة سداسية، ثم يرد عليهم. وهو كلام طويل أكتفي بالإحالة عليه في أحد المواضع، وذلك عند تفسير الآية ( ١٥٧ ) من سورة الأنعام، وكذا محاضرة الشيخ ( رحمه الله ) في الأسماء والصفات، وهي مطبوعة بعنوان :( منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ). انظر ص١٣-١٦، ١٩-٢٢ من المطبوع.
تنبيه : ما بين المعقوفتين زيادة تم بها استدراك بعض النقص المتعلق بالكلام على صفة ( الرحمة ) وقد نقلته من كلام الشيخ( رحمه الله ) عند تفسير الآية ( ١٣٣ ) من سورة الأنعام ).
إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي ( الأعراف : الآية ١٤٤ ) فأجره حتى يسمع كلام الله ( التوبة : الآية٦ ) ووصف بعض خلقه بالكلام فقال : فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين ( يوسف : الآية ٥٤ ) وقال : وتكلمنا أيديهم ( يس : الآية ٦٥ ) ولا شك أن لله كلاما لائقا بكماله وجلاله، وللمخلوقين كلام مناسب لحالهم وعجزهم وفنائهم وافتقارهم، وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة كما بين ذات الخالق والمخلوق.
هذه صفات المعاني السبع الذي أقر بها من جحد كثيرا من الصفات.
كذلك الصفات التي يسمونها السلبية، والصفة السلبية في اصطلاح المتكلمين : هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله. وهي عند المتكلمين خمس صفات : هي : البقاء، والقدم، والغنى المطلق –الذي يسمونه : القيام بالنفس، يعنون به : الاستغناء عن المحل والمخصص، -والمخالفة للخلق، والوحدانية. أما القدم، والبقاء : فالمتكلمون أثبتوهما لله، وقد قال بعض العلماء : إنه ورد في مثل ذلك حديث، وبعضهم ينفي صحته. والمتكلمون يقصدون بهما معنى صحيحا، لأن القدم عندهم : هو سلب العدم السابق، والبقاء : هو سلب العدم اللاحق. زاعمين أن الله أثبتهما لنفسه في قوله : هو الأول والآخر ( الحديد : الآية ٣ ) أي : الأول الذي لا ابتداء لأوليته، والآخر الذي لا انتهاء لآخريته. قالوا : هذا معنى القدم والبقاء.
فنقول : القدم وصف الله به المخلوقين، قال : حتى عاد كالعرجون القديم ( يس : الآية ٣٩ ) إنك لفي ضلالك القديم ( يوسف : الآية ٩٥ ) أنتم وآباؤكم الأقدمون٧٦ ( الشعراء : الآية ٧٦ ) والبقاء وصف به الحادث حيث قال : وجعلنا ذريته هم الباقين٧٧ ( الصافات : الآية٧٧ ) ما عندكم ينفذ وما عند الله باق ( النحل : الآية٩٦ ) والوحدانية وصف بها نفسه : وإلهكم إله واحد ( البقرة : الآية ١٦٣ ) ووصف بعض المخلوقين بها قال : يسقى بماء واحد ( الرعد : الآية٤ ) والغنى وصف به نفسه : إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد ( إبراهيم : الآية ٨ ) والله غني حميد ( التغابن : الآية٦ ) وقال في بعض المخلوقين : ومن كان غنيا فليستعفف ( النساء : الآية٦ ) إن يكونوا فقراء يغنهم الله ( النور : الآية ٣٢ ). ولا شك أن ما وصف به الله من هذه الصفات مخالف لما وصف به المخلوق، كمخالفة ذات الله لذات المخلوق، فلا مناسبة بين الذات والذات، ولا بين الصفة والصفة، فالله حق، وصفاته حق، والمخلوقون حق، وصفاتهم حق، إلا أن صفة كل بحسبه، فصفة الله بالغة من الكمال والتنزيه ما تتعاظم أن تشبه صفات المخلوقين، كما أن ذات الخالق تتعاظم ان تشبه ذوات المخلوقين.
وهذه الصفات الجامعة : كالعلو، والكبر، والعظم، والملك، والجبروت، كل هذا جاء في القرآن العظيم وصف الخالق والمخلوق به، فقد وصف تعالى نفسه بالعلو والكبر والعظم، قال في وصف نفسه بالعلو والعظم : ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ( البقرة : الآية ٢٥٥ ). وقال في وصف نفسه بالعلو والكبر : إن الله كان عليا كبيرا ( النساء : الآية ٣٤ ) عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال٩ ( الرعد : الآية٩ ) (... ) ( في هذا الموضع وجد انقطاع في التسجيل. ويمكن استدراك النقص بمراجعة محاضرة الشيخ( رحمه الله ) في الأسماء والصفات( ص١٧-١٩ ) مع مراجعة كلام الشيخ ( رحمه الله ) على هذه المسألة في هذا التفسير عند الآية( ١٣٣ ) من سورة الأنعام وغيره من المواضع بالإضافة إلى محاضرة( منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ) ) فإن كذبوك، وتمردوا، وكفروا فقل لهم، رغبهم ورهبهم، واجمع لهم بين الوعد والوعيد، فأخبرهم أن ربك واسع الرحمة لمن أطاعه، يرحمه ويدخله جنته، شديد العقاب والنكال لمن عصاه، لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين : هما جلب النفع ودفع الضر، ومن أمثال العرب :( سوط وتمرة ) ليكون الخوف والرجاء جناحين يطير بهما الإنسان إلى امتثال أمر الله. هذا الملك الجبار الذي أدعوكم إليه رحيم عظيم الرحمة الواسعة لمن أطاعه، شديد النكال والبأس لمن عصاه، فعليكم أن تخافوا بأسه ونكاله، وتطمعوا في رحمته فتطيعوه.
قال بعض العلماء : ومن معاني قوله : ربكم ذو رحمة واسعة ( الأنعام : الآية ١٤٧ ) حيث أمهلكم، وأغدق عليكم نعمه، وأعطاكم العافية والإمهال، وأنتم تكذبون رسله، وترتكبون مساخطه، وتتمردون عليه، فما أرحمه، وما أعظم لطفه ( جل وعلا ) ! ! إلا أنه قال : ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين إذا أراد بطشا بقوم مجرمين لا يرد بأسه عنهم، بأسه أي : عذابه ونكاله، لا يقدر أحد أن يرده، لا بقوة ولا بشفاعة، ولا بغير ذلك، كبأس غيره من ملوك الدنيا الذي يرد بأسه بالقوة، ويرد بالشفاعة من غير إذن، فهو إذا أراد بقوم سوءا فلا مرد له.
وكثيرا في القرآن أن يجمع الله بين الوعد والوعيد، يجمع بين الخوف والطمع، كقوله هنا : ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين وقوله في آخر هذه السورة : إن ربك سريع العقاب وإنه غفور رحيم ( الأنعام : الآية ١٦٥ ) نبيء عبادي أني أنا الغفور الرحيم ٤٩ وأن عذابي هو العذاب الأليم ٥٠ ( الحجر : الآيتان ٤٩-٥٠ ) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم٢ غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ( غافر : الآيتان ٢-٣ ) وقوله جل وعلا : وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب ( الرعد : الآية ٦ ) إلى غير ذلك من الآيات.
وقد قدمنا في هذه الدروس مرارا أن لفظ ( القوم ) قال بعض العلماء : إنما سمي قوم الرجل ( قوما ) لأنه يرجع إليهم فيكونوا قواما له، لأنه لا يستغني الإنسان عن جماعة يستند إليهم فيساعدوه في أموره.
وقد قدمنا مرارا أن القوم في الوضع العربي مختص بالذكور، وأنه ربما دخل فيه الإناث بحكم التبع، وبينا أن الدليل على اختصاص القوم بالذكور : قول الله في الحجرات : لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ( الحجرات : الآية ١١ ) فعطفه النساء على القوم يدل على المغايرة، ونظيره قوم زهير :

وما أدري وسوف إخال أدري أقوم آل حصن أم نساء.
والدليل على دخول النساء في القوم بحكم التبع : قوله في بلقيس ملكة اليمن : وصدها ما كانت تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين٤٣ ( النحل : الآية ٤٣ ).
وقوله : بأسه أي : عذابه ونكاله.
وقوله : المجرمين هو جمع تصحيح للمجرم، والمجرم : اسم فاعل الإجرام، والإجرام ارتكاب الجريمة. والجريمة : الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه العذاب. كالذين كفروا بالله، وحرموا وحللوا بالباطل، وفعلوا الفواحش، وقالوا : الله أمرنا بها. هؤلاء كلهم من القوم المجرمين.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير