ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝ

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو الحوايا( ١ ) أو ما اختلط بعظم( ٢ ) ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون ( ١٤٦ ) فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين ( ١٤٧ ) [ ١٤٦ -١٣٧ ].
في الآية الأولى إشارة إلى ما حرم الله تعالى على اليهود من لحوم كل ذي ظفر ومن شحوم البقر والغنم، وإلى أن هذا التحريم إنما كان قصاصا على ما بدا منهم من بغي وانحراف، وفيها توكيد بأن هذا الصدق لا يتحمل ريبا. أما الآية الثانية فقد وجه الخطاب فيها إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. بإنذار المشركين إذا كذبوه بأن المجرمين لن ينجوا من عذاب الله القاصم على ما اتصف به من الرحمة الواسعة، وقد انطوى في هذا أن المجرمين بإجرامهم قد حرموا من رحمة الله.
ولم ير المفسرون مناسبة خاصة لنزول الآيتين والمتبادر أنهما استمرار للمناظرة القائمة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين وفصل من فصولها. بالرغم مما يبدو لأول وهلة من غرابة بسبب ذكر اليهود فإن إمعان النظر يؤدي إلى لمس الصلة ووحدة الموضوع بين الآيتين والآيات السابقة.
تعليق على آية
وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر
ويتبادر أن هناك ثلاثة احتمالات لقيام تلك الصلة : الأول قصد الاستدراك في صدد التحريمات. فالآيات السابقة أمرت النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يقول : إنه لم يجد فيما أوحي إليه من المحرمات إلا الأربعة المذكورة، فأتبعت بالآيتين للإشارة إلى ما حرمه الله على اليهود خاصة إضافة إلى الأربعة المذكورة. وهو لحم كل ذي ظفر وشحم الغنم والبقر. وبذلك تبدو الصلة بين الآيتين وسابقاتهما واضحة من حيث إن التحريم الرباني على اليهود هو وحي رباني. والثاني : أن المناظرين الذين كانوا يعرفون على الأرجح أن عند اليهود محرمات أخرى احتجوا في سياق المناظرة بتحريم التوراة لحم كل ذي ظفر وشحم والغنم والبقر بقصد إفحام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يعلن إيمانه بالتوراة وكونها منزلة من الله، وكون القرآن قد جاء مصدقا لما بين يديه من الكتب المنزلة، ثم بقصد تبرير تقاليدهم على اعتبار أنهم ليسوا بدعا في نسبة ما هم عليه من تقاليد التحريم والتحليل إلى الله تعالى، وفي دعوى كون ذلك متوارثا بينهم جيلا بعد جيل. وبهذا أيضا تكون الصلة بين الآيتين وسابقاتها قائمة. والاحتمال الثالث : هو أن الآيتين استمرار لما سبقهما في صدد بيان ما حرم الله، فالله قد حرم الأربعة المذكورة في الآية السابقة لهما مباشرة وحرم كذلك على اليهود ما ذكرته الآية الأولى من الآيتين بالإضافة إلى الأربعة، وبذلك تبدو الصلة قوية أيضا.
وعلى فرض وجاهة الاحتمال الثاني تكون الآيتان ردا على المشركين حيث احتوت أولاهما تعليلا، لما احتجوا به من تحريم محرمات أخرى عند اليهود فقررت أن ذلك إنما كان عقوبة لليهود، وليس للسبب الأصيل الجوهري للتحريم وهو الرجس والفسق. وقد يرد أنه لا يوجد في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم ما يفيد أن ذلك كان عقوبة. وهذا لا يمنع أن يكون قد ورد في أسفار وقراطيس مفقودة. والمفروض أن يكون التحريم في أصله في التوراة التي أوحيت إلى موسى وكتبها في سفر خاص وهي مفقودة على ما شرحناه في سياق تفسير سورة الأعراف، ولقد أشير إلى كون ذلك عقوبة من الله في آيات أخرى مكية ومدنية مثل آية النحل هذه : وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( ١١٨ ) وآية سورة النساء هذه : فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا ( ١٢٠ ) وكانت تتلى على مسمع اليهود.
وفي سورة آل عمران آية تحدت اليهود بالإتيان بالتوراة وتلاوتها حيث كانوا يحاججون في مسائل المحرمات بما لا يتطابق مع التوراة على ما تلهمه الآية هي : كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ( ٩٣ ) والذي نرجحه أن اليهود أدخلوا على هذه المسألة تحريفا في الأسفار المتداولة اليوم ؛ لأنها تسجل عليهم قصاصا ربانيا.
ولقد صرف بعض المفسرين ضمير الجمع الغائب في كذبوك إلى اليهود، ومنهم من صرفه إلى المشركين١. ويلحظ أن المناظرة والحديث هما في صدد تقاليد المشركين وبين هؤلاء وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم. والآيات مكية، ولم يرو خبر أي احتكاك ومناظرة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم واليهود في العهد المكي، وهذا ما يجعلنا نرجح القول الثاني، ونقول إن ذكر اليهود قد جاء في سياق المجادلة والمناظرة بين النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمشركين. وفي الآيات التالية تأييد لذلك حيث يستمر الكلام عن المشركين.
هذا، وفي سفر الأحبار المسمى أيضا باللاويين ثالث أسفار العهد القديم المتداولة اليوم بيان بما أمر الله موسى وهارون تبليغه إلى بني إسرائيل مما يحل لهم ويحرم عليهم من الحيوانات على اختلافها ومن الشحوم بشيء من التفصيل، بحيث يقال : إن الآية الأولى احتوت ما رأت حكمة التنزيل ذكره كافيا من ذلك.
وهناك توافق من جهة وتخالف من جهة أخرى في أمر الشحوم. ففي الإصحاح الثالث من السفر المذكور حرم أكل شحم القرابين الذي على المعي والكليتين والخاصرتين وجعله وقيدة للرب. ومع ذلك ففي آخر الإصحاح هذه العبارة ( كل شحم هو للرب برسم الدهر على ممر أجيالكم في جميع مساكنكم. كل شحم وكل دم لا تأكلوها ) وهذا كذلك في حين أن الآية استثنت الشحوم التي تحملها ظهور البقر والغنم فقط أو حواياهما أو ما اختلط بعظم. ومهما يكن من أمر فالذي نعتقده أن ما جاء في الآية كان واردا في قراطيس يهودية ومتداولا بين اليهود.
أما ذوات الظفر فقد ذكر في الإصحاح الحادي عشر من السفر المذكور أن المحرم منها هو ما كان ذا ظفر غي مشقوقة سواء أكان مجترا أم غير مجتر مثل الجمل والوبر والأرنب والنعام التي هي من المجترات وذوات أظفار غير مشقوقة، ومثل الخنزير الذي هو مجتر، ولكنه من ذوات الأظفار غير المشقوقة. وظاهر أنه ليس هناك تخالف بين هذا وبين مدى الآية. ولقد روى الطبري وغيره عن علماء الصدر الأول أن جملة كل ذي ظفر تعني كل ما لم يكن مشقوق الأصابع أو منفرج الأصابع من الأنعام والطير كالأيل والنعام. وهكذا يتفق المؤولون القدماء في فهم مدى الجملة مع ما كان متداولا عند اليهود وواردا في أسفارهم التي وصلت إلينا.
وواضح من هذا أن من المحرمات اليهودية ما هو غير محرم في الشريعة الإسلامية كالإبل والأرنب والنعام والدم المتجمد غير المسفوح. وفي سفر الأحبار محرمات أخرى غير محرمة في الشريعة الإسلامية مثل : حيوانات الماء من بحار وأنهار التي ليس لها زعانف في حين أن الله قد أحل للمسلمين صيد البحر مطلقا بدون تفريق كما جاء في آية سورة المائدة هذه : أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة [ ٩٦ ] وفي ما حل للمسلمين وحرم على اليهود في شريعتهم مصداق لما قلناه من تخفيف رباني في الشريعة الإسلامية يرشحها للخلود والعموم.
وفي كتب التفسير بعض الأحاديث في صدد الشحوم ؛ حيث روى البغوي بطرقه عن جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله يقول عام الفتح المكي :( إن الله ورسوله حرما بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام قيل : يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستضيء الناس بها فقال : لا هو حرام ثم قال : قاتل الله اليهود إن الله عز وجل لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه ). حيث يفيد هذا أن شحم الميتة حرام أكلا واستعمالا دون شحم ما يذبح ذبحا. والحديث لم يرد في كتب الصحاح والذي ورد في هذه الكتب مماثل للشطر الثاني منه حيث روى البخاري عن جابر قال :( قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم قاتل الله اليهود لما حرم الله عليهم شحومها جملوها ثم باعوها فأكلوا ثمنها )٢. حيث يفيد هذا أن الشطر الأول لم يثبت عند البخاري، وليس في الشطر الثاني تحريم، وإنما فيه تحذير المسلمين من الاحتيال على شرائع الله كما فعل اليهود والله تعالى أعلم.


التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير