قل لهم : فللَّه الحجة على عباده، البالغة ، حيث بعث الرسل مبشرين ومنذرين، وأمروا بتوحيد الله وطاعته، فكل من خالفهم قامت الحجة عليه، هذا باعتبار التشريع الظاهر، وأما باعتبار باطن الحقيقة، فالأمور كلها بيد الله ؛ يضل من يشاء بعدله، ويهدي من يشاء بفضله، فلو شاء لهداكم أجمعين ولكن شاء هداية قوم وضلال آخرين، لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ [ الأنبيَاء : ٢٣ ]، فقول المشركين : لو شاء الله. . . الخ، حق في نفسه، لكنهم لم يعذَروا ؛ لإهمالهم الشريعة.
وقوم أحبهم الله، ففتح لهم عين الحقيقة، فأسندوا الأفعال كلها إلى الله ولم يروا معه سواه، فتأدبوا في الباطن مع الأشياء كلها، وفتح لهم عين الشريعة فقاموا بوظائف العبودية على المنهاج الشرعي، وهم الأولياء العارفون بالله، فمن تمسك بالحقائق العلمية دون الشرائع كان زنديقًا، ومن تمسك بالشرائع دون الحقائق كان فاسقًا، ومن تمسك بهما كان صدِّيقًا، فمن رام تمسك بالشرائع، ولم تُسعفه الأقدار، فإن كان عن سُكر وجذب فهو معذور، وإن كان عن كسل فهو مخذول، وإن كان عن إنكار لها فهو مطرود معدود من حزب الشيطان، والعياذ بالله.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي