تفسير المفردات : الحجة : الدلالة المبينة للقصد المستقيم.
المعنى الجملي : كان الكلام في سالف الآيات في تفصيل أصول الإسلام من توحيد الله والنبوة والبعث، وفي دحض شبهات المشركين التي كانوا يحتجون بها على شركهم وتكذيبهم للرسل وإنكارهم للبعث. وفي بيان أعمالهم التي هي دلائل على الشرك من التحريم والتحليل بخرافات وأوهام.
وهنا ذكر شبهة لهم مثل بمثلها كثير من الكفار، وهم وإن لم يكونوا قالوها وأوردوها على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن الله المحيط علمه بكل شيء يعلم أنهم سيقولونها، فذكرها ورد عليها بما يبطلها، وكان ذلك من إخباره بأمور الغيب قبل وقوعها.
الإيضاح : قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين أي قل أيها الرسول لهؤلاء الجاهلين بعد تعجيزك إياهم عن أن يأتوا بأدنى دليل أو قول يرقى إلى أضعف درجة من العلم : إن لم يكن عندكم علم في أمر دينكم، فإن لله وحده أعلى درجات العلم وله الحجة البالغة على ما أراد من إحقاق الحق وإزهاق الباطل بما بينه في هذه السورة وغيرها من الآيات البينات على أصول العقائد وقواعد التشريع الموافقة للعقول الحكيمة والفطر السليمة وسننه في الاجتماع البشري، ولكن لا يهتدي بهذه الآيات إلا المستعد للهداية، المحب للحق، الحريص على طلبه، الذي يستمع القول فيتبع أحسنه، دون من أعرض عن النظر فيها استكبارا عنها وحسدا للمبلغ الذي جاء بها، وجمودا على تقليد الآباء وإتباع الرؤساء.
ولو شاء سبحانه أن يهديكم بغير هذه الطريق التي أقام أمر البشر عليها وهي التعليم والإرشاد بطريق النظر والاستدلال لهداكم أجمعين فجعلكم تؤمنون بالفطرة كالملائكة المفطورين على الحق والخير جل شأنه كما قال سبحانه عنهم : لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون [ التحريم : ٦ ] ويجعل الطاعة فيكم بغير شعور منكم ولا إرادة كما يجري الدم في أبدانكم، أو مع الشعور بأنها ليست من أفعالكم، وحينئذ لا تكونون من نوع الإنسان الذي قضت الحكمة وسبق العلم بخلقه مستعدا لعمل الخير الشر والحق والباطل، ويرجح أحدهما على الآخر بالاختيار، والاختيار لأحدهما بمشيئته لا ينفي مشيئة الله تعالى ولا يعارضها، فإنه هو الذي شاء أن يجعله فاعلا باختياره.
ونحو الآية قوله : ولو شاء الله ما أشركوا [ الأنعام : ١٠٧ ] وقوله : من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم [ الأنعام : ٣٩ ] وقوله : ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة [ النحل : ٩٣ ] وقوله : ولو شاء الله ربك لأمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين [ يونس : ٩٩ ].
وبعد أن نفى عنهم العلم وسجل عليهم إتباع الخرص والكذب، ليظهر لهم أنهم ليسوا على شيء يعتد به من العلم أمر رسوله صلى الله عليه سلم أن يطالب مشركي قومه بإحضار من عساه يعتمدون عليه من الشهداء في إثبات تحريم الله تعالى عليهم ما ادعوه من المحرمات فقال : قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا .
تفسير المراغي
المراغي