قل فلله الحجة البالغة ( الأنعام : الآية ١٤٩ ) إن احتججتم بأمور باطلة وشبه كاذبة، فلله الحجة البالغة على خلقه، وليس لأحد حجة على الله. والبالغة معناه : هي التي يبلغ بها صاحبها غرضه لإفحام خصمه، وإظهار الحق. والعلماء يقولون : هذه الحجة البالغة هي إرسال الرسل، وإقامة المعجزات، وبيان أنه ( جل وعلا ) واحد لا شريك له.
وظاهر القرآن يدل على ان هذه الحجة البالغة على مذهب الجبرية هي قوله جل وعلا : فلو شاء لهداكم أجمعين فهذا داخل فيها دخولا أوليا، لأن ملك التوفيق حجة بالغة على الخلق، وهذه الآية هي التي احتج بضمنها أبو إسحاق على عبد الجبار، لأنه كأنه قال له : ملكه تعالى للتوفيق حجة بالغة على خلقه، فتمام الحجة البالغة أنك إذا قارنت بين سني –مثلا- وجبري، فقال الجبري : إن كفره- والعياذ بالله- ومعاصيه كتب عليه في الأزل قبل أن يولد، وإن الأقلام جفت، والصحف طويت، وما كان فقد كان، ولم يبقى شيء حادث إلا وقد سبق في الأزل. فيقول هذا الجبري الكافر : إن كفر البعيد قد كتبه الله عليه أزلا، وإنه لو شاء أن يتخلص من ذلك المكتوب أزلا لما كانت له القدرة، لأن علم الله الأزلي لا يتغير.
فيقول البعيد : هو مقهور، وإذا هو مجبور ! فله حجة في زعمه على ربه، فكأن ربه يقول : جميع الأسباب التي اهتدى بها المهتدون أعطيتك إياها، فالأعين التي أبصر بها سمائي، وأرضي، وجبالي، وبحاري، وحدائقي، وحيواناتي، حتى عرفوا بها قدرتي، وأني رب كل شيء، وأني المعبود وحده، أعطيتك عيونا مثلها، والآذان التي سمعوا بها مواعظي، وآياتي، وكتبي عن الرسل أعطيتك مثلها، والقلوب التي عقلوا بها عن الله، وعرفوا مخالفة الخالق للمخلوق، وعرفوا بها عظمة جبار السماوات والأرض، وأنه جدير بأن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى أعطيتك قلبا مثل قلوبهم، فكل ما أعطيت المهتدين من أسباب الهداية أعطيتك مثل ما أعطيتهم، إلا خصوصية التوفيق، فقد تفضلت به على قوم ولم أتفضل به على آخرين، فمن تفضلت به فهو فضل مني، ومن لم أتفضل به فهو عدل مني. كما قال أبو إسحاق : " إن كان الذي منعك حق واجبا لك عليه فقد ظلمك، وإن كان ملكه المحض فإن منعك فعدل، وإن منحك ففضل ". ولذا قال هنا : قل فلله الحجة البالغة على خلقه، وهي ما أنذرهم به من الإنذار، وما أرسل لهم من الرسل، وما أعطاهم من العقول، والأسماع، والأبصار والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون٧٨ ( النحل : الآية٧٨ ). فلله الحجة البالغة ( الأنعام : الآية ١٤٩ ) لأنه قطع عذر عبده بأن أعطاه كل ما أعطى المهتدين : إلا خصوص التوفيق، فهذا الذي منعه. وبملكه للتوفيق قامت حجته البالغة، ولذا أتبعه بقوله : فلو شاء لهداكم أجمعين فلو شاء لمنحكم التوفيق كلا، ولكنه تفضل به على بعض، ولم يتفضل به على الآخرين، فمن تفضل به عليهم فهو فضل، ومن منعهم إياه فهو عدل لا ظلم فيه، ولذا قال : فلو شاء لهداكم أجمعين ومفعول المشيئة محذوف، وقد ذكرنا مرارا أن فعل المشيئة إن كان معلقا بشرط فإنه يكفي عن مفعوله جزاء الشرط. والأصل : فلو شاء هدايتكم أجمعين لهداكم أجمعين، ولكنه لم يشأ، كما قال : ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين١٣ ( السجدة : الآية ١٣ ) وهذا معنى قوله : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين ( الأنعام : الآية ١٤٩ ).
وهذه تقتضي على مذهب المعتزلة، لأن الله صرح بأنه لو شاء لهداهم أجمعين، فعرف بأن شركهم بمشيئته، وأنه لو شاء أن لا يشركوا ما أشركوا ولو شئنا لأتينا كل نفس هداها ( السجدة : الآية ١٣ ) ولو شاء الله ما أشركوا ( الأنعام : الآية ١٠٧ ) ونحو ذلك من الآيات.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير