وَضَلَّ عَنْهُم وغاب عنهم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ أي يفترون إلهيته وشفاعته. فإن قلت : كيف يصحّ أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور على أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته ؟ قلت : الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه من غير تمييز بينهما حيرة ودهشاً : ألا تراهم يقولون : رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظالمون [ المؤمنون : ١٠٧ ] وقد أيقنوا بالخلود ولم يشكوا فيه، وَنَادَوْاْ يا مالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ [ الزخرف : ٧٧ ] وقد علموا أنه لا يقضى عليهم. وأما قول من يقول : معناه : ما كنا مشركين عند أنفسنا وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحملُ قوله : انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ يعني في الدنيا فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام إلى ما هو عيّ وإقحام، لأن المعنى الذي ذهبوا إليه ليس هذا الكلام بمترجم عنه ولا منطبق عليه، وهو نابٍ عنه أشدّ النبوّ. وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره بقوله تعالى : يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَىْء أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون [ المجادلة : ١٨ ] بعد قوله : وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ [ المجادلة : ١٤ ] فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا.
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب