ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟ ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰ ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

[سورة الأنعام (٦) : الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ (٢) وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ (٣)
تفسير المفردات
الحمد: هو الثناء الحسن والذكر الجميل، والظلمة: الحال التي يكون عليها كل مكان لا نور فيه، والنور قسمان: حسى وهو ما يدرك بالبصر، ومعنوى عقلى يدرك بالبصيرة، والجعل: هو الإنشاء والإبداع كالخلق، إلا أن الجعل مختص بالإنشاء التكويني كما فى هذه الآية، والتشريعي كما فى قوله: «ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ» الآية، والخلق عام.
ولم يذكر النور فى القرآن إلا مفردا والظلمة إلا جمعا، لأن النور واحد وإن تعددت مصادره، والظلمة تحدث مما يحجب النور من الأجسام غير النيرة وهى كثيرة وكذلك النور المعنوي شىء واحد، والظلمات متعددة فالحق واحد لا يتعدد والباطل الذي يقابله كثير، والهوى واحد والضلال المقابل له كثير، فالتوحيد يقابله التعطيل، والشرك فى الألوهية بأنواعه والشرك فى الربوبية بضروبه المختلفة.
وقدمت الظلمات فى الذكر على النور لأن جنسها مقدم فى الوجود فقد وجدت مادة الكون وكانت دخانا مظلما أو سديما كما يقول علماء الفلك، ثم تكونت الشموس بما حدث فيها من الاشتعال لشدة الحركة، وإلى هذا يشير حديث عبد الله

صفحة رقم 70

ابن عمرو عند أحمد والترمذي «إن الله خلق الخلق فى ظلمة، ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه نوره اهتدى، ومن أخطأه ضل».
وكذلك الظلمات المعنوية أسبق وجودا، فإن نور العلم والهداية كسبى فى البشر، وغير الكسبي منه كالوحى، فتلقيه كسبى، وفهمه والعمل به كسبيان أيضا، وظلمات الجهل والأهواء سابقة على هذا النور «وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ، لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ».
ويعدلون أي يعدلون به غيره، أي يجعلون عديلا مساويا له فى العبادة والدعوة لكشف الضر وجلب النفع، فهو بمعنى يشركون به ويتخذون له أندادا، والأجل هو المدة المضروبة للشىء أي المقدار المحدود من الزمان وقضاء الأجل: تارة يطلق على الحكم به، وضربه للشىء كما قضى شعيب عليه السلام أجلا لخدمة موسى له ثمانى سنوات وأجلا اختيار يا سنتين، ويطلق أخرى على القيام بالشيء وفعله كما قال: «فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ» الآية، وتمترون أي تشكّون فى البعث.
الإيضاح
(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ) أي الحمد والشكر للذى خلقكم وخلق السموات والأرض فهو المستوجب للحمد بنعمه عليكم، لا من تعبدون من دونه وتجعلونه له شريكا من خلقه.
والمراد بالسماوات والأرض: العوالم العلوية التي يرى كثير منها فوقنا وهذا العالم الذي نعيش فيه.
وكذلك الذي أوجد الظلمات والنور. واختلف العلماء فى المراد منهما، فمن قائل إن المقصود منهما ظلمة الليل ونور النهار وإلى هذا جنح ابن جرير وابن أبي حاتم عن

صفحة رقم 71

السدى، وفى ذلك رد على المجوس (الثّنويّة) الذين زعموا أن للعالم وبين أحدهما النور وهو الخالق للخير، والثاني الظلمة وهو الخالق للشر، ومن قائل إن المراد منهما الكفر والإيمان وروى هذا عن ابن عباس.
(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) أي ثم إنهم مع ذلك يعدلون به سواه، ويسوونه به فى العبادة التي هى أقصى غاية الشكر، ويدعونه لكشف الضر وجلب النفع، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا.
وبعد أن وصف الخالق تعالى بما دل على توحيده واستحقاقه للحمد- انتقل إلى خطاب المشركين الذين عدلوا به غيره فى العبادة مذكّرا لهم بدلائل التوحيد والبعث فقال:
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ، ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) أي هو الذي خلقكم من الطين (التراب الذي يخالطه ماء) فقد خلق أباكم آدم من الطين كما خلق سائر الأحياء التي فى هذه الأرض بل خلق كل فرد من أفراد البشر من سلالة من طين، فإن بنية الإنسان مكونة من الغذاء ومن ذلك البويضات التي فى الأنثى والحيوان المنوىّ الذي فى الذكر فكلها مكونة من الدم، والدم من الغذاء، والغداء من نبات الأرض أو من لحوم الحيوان المتولدة من النبات فالمرجع إلى النبات من الطين، والناظر فى كل هذا يعلم جليا أن القادر على كل هذا لا يعجزه أن يعيد هذا الخلق كما بدأه عند انقضاء آجاله التي قضاها له فى أجل آخر يضر به لهذه الإعادة بحسب علمه وحكمته.
والآية ترشد إلى أنه تعالى قضى لعباده أجلين أجلا لحياة كل فرد منهم ينتهى بموته، وأجلا لإعادتهم وبعثهم بعد موت الجميع وانقضاء عمر الدنيا.
ومعنى كونه مسمى عنده: أنه لا يعلمه غيره، لأنه لم يطلع أحدا على يوم القيامة لا ملكا مقرّبا ولا نبيا مرسلا.

صفحة رقم 72

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية