من تفسير روح البيان
تفسير سورة الانعام
وهى مكية وآيها مائة وخمس وستون وقيل ست آيات او ثلاث من قوله قُلْ تَعالَوْا مدينة ومن الله ارجوا تمامه بفضله وكرمه وهو قاضى الحاجات بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الانعام نزلت بمكة جملة واحدة ليلا معها سبعون الف ملك قد سدوا ما بين الخافقين ولهم زجل اى صوت بالتسبيح والتحميد والتمجيد حتى كادت الأرض ترتج فقال النبي ﷺ (سبحان ربى العظيم سبحان ربى العظيم) وخر ساجد- وروى- عنه مرفوعا (من قرأ سورة الانعام يصلى عليه أولئك السبعون الف ملك ليله ونهاره) ثم دعا عليه السلام بالكتاب وامر بكتابتها من ليلته تلك- وروى- عنه عليه السلام مرفوعا (من قرأ ثلاث آيات من أول سورة الانعام الى قوله تكسبون حين يصبح وكل الله به سبعين الف ملك يحفظونه وكتب له مثل أعمالهم الى يوم القيامة وينزل ملك من السماء السابعة ومعه مرزبة من حديد كلما أراد الشيطان ان يلقى فى قلبه شيأ من الشر ضربه بها وجعل بينه وبين الشيطان سبعين الف حجاب فاذا كان يوم القيامة قال الله تعالى يا ابن آدم امش تحت ظلى وكل من ثمار جنتى واشرب من ماء الكوثر واغتسل من ماء السلسبيل فانت عبدى وانا ربك لا حساب عليك ولا عذاب) كذا رواه الامام الواحدي فى الوسيط الْحَمْدُ لِلَّهِ الالف واللام فى الحمد لاستغراق الجنس واللام فى لله للاختصاص لانه تعالى قال بربهم يعدلون ودفع تسويتهم بربهم مما جعل مقصودا بالذات وفى التأويلات النجمية اللام لام التمليك يعنى كل حمد يحمده اهل السموات والأرض فى الدنيا والآخرة ملك له وهو الذي أعطاهم استعداد الحمد ليحمدوه بآثار قدرته على قدر استعدادهم واستطاعتهم لكن حمد الخلق له مخلوق فان وحمده لنفسه قديم باق فان قيل أليس شكر
المنعم واجبا مثل شكر الأستاذ على تعليمه وشكر السلطان على عدله وشكر المحسن على إحسانه قال عليه السلام (من لم يشكر الناس لم يشكر الله) فالجواب ان الحمد والتعظيم المتعلق بالعبد المنعم نظرا الى وصول النعمة من قبله وهو فى الحقيقة راجع اليه تعالى لانه تعالى لو لم يخلق نفس تلك النعمة ولو لم يحدث داعية الإحسان فى قلب العبد المحسن لما قدر ذلك العبد على الإحسان والانعام فلا محسن فى الحقيقة الا الله ولا مستحق للحمد الا هو تعالى وفى تعليق الحمد باسم الذات المستجمع لجميع الصفات اشارة الى انه المستحق له بذاته سواء حمده حامد او لم يحمده قال البغوي حمد الله نفسه تعليما لعباده اى احمدوه: وفى المثنوى
| چونكه آن خلاق شكر وحمد جوست | آدمي را مدح جويى نيز خوست |
| خاصه مرد حق كه در فضلست چست | پر شود زان باد چون خيك درست |
| ور نباشد اهل زان باد دروغ | خيك بدريد است كى كيرد فروغ |
فلاجل الفرقة مدى ومنتهى ولاجل الوصلة لامدى ولا منتهى وانما قال مسمى لان وقت الوصلة مسمى عنده وهو حين يجذبه اليه بجذبة ارجعي الى ربك ولايام الوصلة ابتداء وهو حين تطلع شمس التوحيد من مشرق القلوب الى ان تبلغ حد استواء الوحدة ثم تتسرمد فلا غروب لها ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ يا اهل الوصلة كما يمترى اهل الفرقة هذا محال جدا فعلى العاقل الاجتهاد قبل حلول الاجل والتهيؤ للوصول بحسن التوجه والعمل قال بعض المشايخ من ضيع حكم وقته فهو جاهل ومن قصر فيه فهو غافل وفى الحديث (ان لله خواص يسكنهم الرفيع من الجنان كانوا اعقل الناس كان هممهم المسابقة الى ربهم عز وجل والمسارعة الى ما يرضيه زهدوا فى الدنيا وفى فضولها وفى رياستها ونعيمها فهانت عليهم فصبروا قليلا واستراحوا طويلا) - روى- ان السرى السقطي قدس سره دخل عليه ابو القاسم الجنيد قدس سره وهو يبكى فقال له ما يبكيك قال جاءتنى البارحة الصبية فقالت يا أبت هذه ليلة حارة وهذا الكوز تعلقه هاهنا قال السرى فغلبتنى عيناى فنمت فرأيت جارية من احسن الخلق قد نزلت من السماء فقلت لمن أنت قالت لمن لا يشرب الماء المبرد فى الكيزان فتناولت الكوز وضربت به الأرض قال الجنيد فرأيت الخزف المكسور ولم يرفعه حتى عفا عليه التراب يا هذا انظر الى تركهم النعيم لم يرضوا لأنفسهم ان يشربوا ماء باردا او يأكلوا طعاما لذيذا فحين راقبوا الأوقات عوضهم الله حالات خارجة عن حسابات الساعات فلا انتهاء لاذواقهم أصلا وَهُوَ اى الله تعالى مبتدأ خبره قوله اللَّهُ باعتبار المعنى الوصفي اى المعبود ولذا تعلق به قوله فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ والمعنى وهو المعبود والمستحق للعبادة فيهما ولا يلزم من كونه تعالى معبودا فيهما كونه متحيزا فيهما فانه منزه عن الزمان والمكان- روى- ان امام الحرمين أستاذ الامام الغزالي نزل ببعض الأكابر ضيفا فاجتمع عنده العلماء والأكابر فقام واحد من اهل المجلس فقال ما الدليل على تنزهه عن المكان وهو قال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فقال الدليل عليه قول يونس فى بطن الحوت لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فتعجب منه الناظرون فالتمس صاحب الضيافة بيانه فقال الامام ان هاهنا فقيرا مديونا بألف درهم ادعته دينه حتى أبينه فقبل صاحب الضيافة دينه فقال ان رسول الله لما ذهب فى المعراج الى ما شاء الله من العلى قال هناك (لا احصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) ولما ابتلى يونس عليه السلام بالظلمات فى قعر البحر ببطن الحوت قال لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فكل منهما خاطبه بقوله أنت وهو خطاب الحضور ولو كان هو فى مكان لما صح ذلك فدل ذلك على انه ليس فى مكان يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ خبر ثان اى ما اسررتموه وما جهرتم به من الأقوال وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ اى ما تفعلون لجلب نفع او دفع ضر من الأعمال المكتسبة بالقلوب او بالجوارح سرا وعلانية فيجازيكم على كل ذلك ان خيرا فخير وان شرا فشر وفى التأويلات النجمية وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ اى فى سموات الوجود وَفِي الْأَرْضِ اى فى ارض النفوس يَعْلَمُ سِرَّكُمْ الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي وَجَهْرَكُمْ اى ما هو
صفحة رقم 7
ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأحوال النفسانية وَيَعْلَمُ ما تَكْسِبُونَ باستعمال الاستعداد السرى والجهرى فى المأمورات والمنهيات من الخير والشر وقد خص الإنسان بهذا الكسب ايضا دون الملك والحيوان فان الملك لا يقدر ان يكتسب من الصفات الحيوانية شيأ ولا الحيوان قادر على ان يكتسب من الصفات الملكية شيأ والإنسان متصرف فى هاتين الصفتين وله اكتساب التخلق بأخلاق الله بالتقرب الى الله بأداء ما افترض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي الى ان يصير من خير البرية وله ايضا ان يكتسب من الشر ما يصير به شر البرية انتهى قال حسين الواعظ الكاشفى فى تفسيره الفارسي [در نقد النصوص فرموده كه انسان مرآتيست ذات وجهين در يك رويش خصائص ربوبيت ودر روى ديگر نقايص عبوديت چون خصائص نكرى از همه موجودات بزرگوارتر و چون نقائص عبوديت شمارى از همه خوارتر وبيمقدارتر
| چون در خود از أوصاف تو يابم اثرى | حاشا كه بود نكوتر از من دگرى |
| وآن دم كه فتد بحال خويشم نظرى | در هر دو جهان نباشد از من بتري |
| حيف باشد كه عمر انسانى | چون بهايم بخواب وخور گذرد |
| آدمي ميتواند از كوشش | كه مقام فرشته در گذرد |
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء