ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك :
وهو الله في السماوات والأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون ( ٣ ) .
والله هو علم على واجب الوجود، وهو الاسم الذي اختاره الله لنفسه شاملا لكل صفات الكمال، والصفات الأخرى نحن نسميها الأسماء الحسنى : مثل القادر، السميع، والبصير، والحي، والقيوم، والقهار، كلها صفات صارت أسماء لأنها مطلقة بالنسبة لله. وهذه الصفات حين تنصرف على إطلاقها فهي لله، ومن الجائز أن تضاف في نسبتها الحادثة إلى غير الله. أما اسم ( الله ) فلا يطلق إلا على الحق سبحانه وتعالى :
ويتحدى الله الكافرين به أن يسمي أحدهم أي شيء غيره ب ( الله ).
هل تعلم له سميا ( من الآية ٦٥ سورة مريم )
وسمع الكافرون ذلك ولم يجرؤ أحدهم أن يسمي أي شيء باسم ( الله ). وهو لون من التحدي باق إلى قيام الساعة ولا يجرؤ أحد أن يقول عكسه أو أن يقبله فيسمي شيئا أو كائنا غير الله ب ( الله ).
ولا نعرف شيئا وجد بذاته أزلا وقبل أن يوجد الكون إلا الله، أما أتفه الأشياء في حياتنا والتي نعتبرها من غير الأساسيات فهي لا توجد بذاتها بل لا بد من صانع لها. فكوب الماء مثلا لا يؤدي ضرورة قصوى في الحياة ؛ لأن الإنسان يستطيع أن يشرب الماء بكفه أو بفمه مباشرة، هذا الكوب احتاج من الإنسان إلى علم وإمكانيات وقدرة وحكمة. وجاء العلم للإنسان بما وهبه الله للإنسان من قدرة بحث عن المادة التي في الكون، فنظر الإنسان إلى الرمل واكتشف وسيلة لصهر الرمال، واكتشف وسيلة لتنقية الزجاج بمواد كيماوية، واكتشف أسلوبا آليا لإنتاج هذه الأكواب.
لقد أخذت رحلة صناعة الكوب من الإنسان رحلات علمية وصناعية كبيرة، وهو ضروري كضرورة قصوى في الحياة، إنما هو من الترف، فما بالنا بالضروريات من الشمس، وقمر وهواء وماء ؟ وهذه الأشياء – إذن – لا بد لها من صانع وإذا كان صانع أتفه شيء في حياة الإنسانية يذهب إلى إدارة لتسجيل اختراعه ؛ ليستفيد منها، فما بالنا بالذي صنع كل شيء، ولم يصنعها ليستفيد منها ولكن ليستفيد خلقه منها.
إن البشرية تعرف من صنع المصباح وتاريخه، وأين ولد، وأين عاش، وأين تعلم. فما بالنا بالذي صنع الشمس والنجوم والأرض والإنسان ؟ ورحمنا الحق فدل على نفسه وأخبرنا أنه سبحانه الذي خلق. ولم يأت أحد ليعارضه سبحانه ويدعي صناعة الكون، ومادام لا يوجد شيء له أثر إلا بمؤثر، فلا بد لنا أن نعرف أنه سبحانه مادام قد قال : إنه هو الذي خلق وأبدع ولم تنشأ معارضة له فإن قوله هو الصدق. وإن كان هناك صانع للكون ولم يعلم أن الله قد أخبرنا أنه سبحانه الذي خلق الكون فذلك الصانع النائم التائه عما صنع لا يصلح أن يكون إلها. وإن كان قد علم أن الله أخبرنا أنه سبحانه خلق لنا الكون ولم يجرؤ هذا الصانع على أن يبلغنا بالحقيقة فهذا – الصانع المدعي – ليس له الحق في الألوهية.
أما الحق سبحانه، فقد أعلمنا وعلمنا بالدليل القطعي أنه الذي خلق الكون، ومادام الأمر كذلك فيجب أن نستمع له، والترجمة العملية لسماع الحق هي عبادته وطاعته فيما أمر وفيما نهى، بل إن عالم الملكوت الذي لا ترونه يعبد سبحانه. وكل شيء في الوجود مؤتمر بأمره ويسبح بحمده.
تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا( ٤٤ ) ( سورة الإسراء ).
وتدل السماوات السبع والأرض وكل من فيهن من مخلوقات على دقة الصنعة وعلى ملكية الله ولها تنزيهه سبحانه وتقدسه بأنه لا شريك له، وكل شيء له وسيلة للتسبيح والتنزيه، ولكنا لا نرى ذلك ولا نفهمه ولا نفقهه. ويبلغنا الحق هنا أنه المعبود الموجود في كل الوجود. وهو الله في السماوات والأرض يعلم سركم وجهركم ومادام معبودا فينبغي أن يكون مطاعا في الأوامر والنواهي. ولكن بعضنا يطيع، وبعضنا يعصى. ولذلك رتب الحق على الطاعة جزاء : إما نعيما وإما عقابا. وهناك فارق بين وجود الشيء وإدراك الشيء، وإياك أن تخلط بين إدراك الوجود، والوجود، فالذي لا تدرك وجوده إياك أن تقول إنه غير موجود.
ومثال ذلك ما نراه على مر تاريخ البشرية. لقد ترك الخالق لخلقه في الوجود أسرارا يستنبطونها فتبرز لهم بالمنافع وكانت قبل أن يعرفها البشر ويقفوا عليها تؤدي مهمتها في الوجود، ومثال ذلك الجاذبية الأرضية ؛ لقد كانت موجودة قبل اكتشاف الإنسان لها وتؤدي عملها قبل أن يعرفها الإنسان، وجاء ذكرها في القرآن بشكل لا يثير بلبلة ساعة نزل القرآن :
إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ( ٤١ ) ( سورة فاطر ).
أوجد الحق قوانين الجاذبية لتمارس السماوات والأرض أعمالهما ويحفظهما بقدرته من الزوال، وجعل من الجاذبية نظاما بديعا يحفظ الكون من الاختلال. وإذن فالجاذبية كانت موجودة، ولم يعرفها الإنسان إلا مؤخرا، هكذا نعرف أن هناك فارقا بين وجود الشيء وبين إدراك الشيء.
فإذا قيل لك :
لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير ( ١٠٣ ) ( سورة الأنعام ).
فأنت أيها المؤمن تصدق ذلك ؛ فذات الحق لا تبصرها العيون وهو يعلم كل ما خفي عنك ولا تدركه عيونك. وفي الكون أشياء قد لا ندركها على الرغم من أنه سبحانه وتعالى خلقها وعملت في خدمتك، وبعد أن أدركتها ظلت تعمل في خدمتك، فإن حدثك الحق بشيء لا تدركه فلا تقل : مادام هذا الشيء غير مدرك فهو غير موجود. وعلى سبيل المثال أنت لا تدرك الكهرباء، ولا الجاذبية، ولا قمة أسرار الحياة وهي الروح التي تعطيك سر الحياة، وتنفعل بها كل جوارحك، وإن خرجت الروح صرت جثة هامدة، إن أحدا لا يعرف مكان الروح ولا يدركها، ولا سمعها أحد أو شمها أو ذاقها أو لمسها. إن الروح موجودة في ذاتك ولا تدركها، هاأنتذا – إذن – لا تستطيع أن تدرك مخلوقا لله فكيف تدرك خالقك وهو الله ؟ إنك لو أدركته لما صار إلها ؛ لأنك إن أدركت شيئا فقد قدرت عليه جوارحك، ويصير مقدورا لعينك وليدك، والقادر المطلق لا ينقلب مقدورا أبدا، ومن عظمته أنه لا يدرك.
مثال آخر : الرؤيا التي تراها وتتحرك فيها. هل الرؤيا موجودة في جسمك ؟ أو ماذا ؟ والحلم وهو الصبر على غيرك بأن تتحمله وتعطف عليه وتضحك له، هذا الحلم يجعلك تنفعل. فهل تدرك أنت هذا الحلم ؟ إنه معنى من بعض المعاني في نفسك التي تحرك جوارحك ولا تدركها، مثله مثل الشجاعة التي تصول بها وتجول ولا تراها محيزة، ولا تعرف شكلها أو لونها أو طعمها، فالأعلى الذي يدير هذا الكون غير مدرك بالأبصار. والذي يتعب الناس أنهم يحاولون الجمع بين الإدراك والوجود، ولذلك نقول : ابحث أيها الإنسان في كونك ولسوف تجد فارقا بين الإدراك والوجود.
ونعلم أن اسم الله نفسه وهو لفظ ننطقه ونستدل به على أنه الخالق الأعلى وهو متحدى به. وأنت أيها الإنسان قد اخترعت – على سبيل المثال – التليفزيون وكان من قبل أن يوجد معدوما لا اسم له، وصار له اسم منذ أن أوجده الإنسان، صالحا لمهمة معينة، أما اسم الله فهو موجود وقديم من قبلك وأخبرك به الرسول، وهو سبحانه وتعالى له اسم في كل لغة من اللغات، ووجود هذا الاسم في كل اللغات بنطق هو دليل على أسبقية وجود الذات وهو الله. وبعد ذلك جاء الكفر، وعرفنا أن الكفر كان محاولة لستر الوجود الأول، وبذلك دلت كلمة الكفر على الإيمان. والذي يرهق الإنسان هو محاولته لحصر الموجود الأعلى في شكل طبقا لإمكانات وحدود البشر. ولا أحد يستطيع أن يحصر وجوده سبحانه في شكل معين ؛ لأن من عظمته أننا لا نقدر على تصوره، والإيمان به سبحانه يدل عليه وهو يقول عن نفسه ما شاء. وأحب أن تحفظوا هذا المثل وتضربوه لصغاركم :
لنفترض أن إنسانا يجلس مع أسرته في حجرة، ثم طرق الباب، وكل من يجلس في الحجرة يتيقن أن طارقا بالباب ولا يختلف أحد منهم في هذه المسألة. فيقول أحد الأبناء :( الطارق محمد ) ويقول الثاني :( إنه محمود ) ويقول الثالث :( لا، إنه إبراهيم ) فتقول الزوجة :( إن الطارق امرأة )، لكن أحد الأبناء يقول :( لا، إنه رجل ) فيقول الأب :( لعله شرطي جاء يسألني عن أمر ) ترد الزوجة :( توقع خيرا، إنك تصنع كل خير ولا بد أن يأتي لك كل طارق بخير. هنا اختلفت الأسرة لا في تعقل الطارق، ولكن في تصور الطارق. يقول الأب :( بدلا من الحيرة لنسأله من أنت ؟ )، فيجيب الطارق :( أنا فلان ).
وهكذا الكون، طرأ الإنسان عليه وتساءل من الذي خلقه. ذلك أن الإنسان جاءته الغفلة بعد أن عرف آدم ربه وبعد أن أشهد الحق ذرية آدم أنه ربهم. ثم أرسل الحق الرسل ليبلغوا الخلق منهجه واسمه وصفاته. وأراد سبحانه بذلك ألا يرهق خلقه، وأبلغ الناس من خلال الرسل أنه الخالق الأكرم.
وآفة الفلاسفة أنهم لم يكتفوا بتعقيل الإله، بل أرادوا أن يتصوروه، وهذا أمر غير ممكن. لذلك نقول : علينا أن نستمع إلى الحق يقول ما شاء عن نفسه ولا داعي للخلاف. وسبحانه وتعالى يقول : وهو الله في السماوات وفي الأرض وإياك أيها المسلم أن تفهم أن السماء والأرض هنا ظرفية، لأن الظرفية وعاء وحيز، وإذا كنت لم تعلم مكان روحك في جسدك، فكيف تعلم مكان الله ؟ لقد قصد الله بذلك القول أنه معبود في السماوات ومعبود في الأرض.
ولنلحظ أن بعض آيات القرآن توقف الذهن عندها كي تظل الأذهان دائما مشغولة بكلمات الله، ولو جاء القرآن بكلمات يسهل على الفهم العادي إدراك معانيها لما تجددت معاني الكتاب العظيم في كل زمان، وكان الحق قد قصد ذلك حتى يثبت الناس في كل العصور من إيمانهم. وها هم أولاء بعض من الذين يحاولون الخوض في القرآن تساءلوا عن معاني قوله الحق :
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وهو الحكيم العليم ( ٨٤ ) ( سورة الزخرف )
تساءلوا عن معنى التكرار أنه إله في السماوات وإله في الأرض. وظن بعض السطحيين أنه قصد القول بأن هناك إلها في السماوات وإلها آخر في الأرض، ولم يفطنوا إلى أن المعنى المقصود هو : أنه إله يعبد في السماء ويعبد في الأرض، وهو صاحب الحكمة المطلقة في كل أفعاله وهو المحيط بكل كونه. وأن الحق إنما يريد بهذا القول أن يشغل الأذهان به.
ونقول أيضا لهؤلاء الذين لم يفهموا المعنى : هناك قاعدة في اللغة تحدد النكرة وتحدد المعرفة ؛ فعندما نقول :( جاءني الرجل ) فهذا الرجل يكون معروفا للقائل والسامع. ولكن عندما نقول :( جاءني رجل ) فهذا غير معروف للسامع وقد يكون معروفا للقائل. وإذا قلنا :( جاءني رجل وأكرمت رجلا ) فمعنى ذلك أن القائل يتحدث عن رجلين ؛ أحدهما جاء، والآخر كان موضع التكريم. أما إن قال القائل :( جاءني رجل فأكرمت الرجل ) فالحديث هنا عن رجل واحد. إذن فالنكرة إن أعيدت نكرة تكون مختلفة، والنكرة إن أعيدت معرفة تكون هي بعينها. وعندما قال الحق سبحانه :
وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله ( من الآية ٨٤ سورة الزخرف )
تصور البعض أن ( إله ) نكرة، عندما أعيدت صارت غيرها، ولو كان الأمر كذلك لفسدت الدنيا. ولكن القاعدة الغالبة من العلماء عرفوا روح النص. وقال أهل العلم بالتوحيد : لا بد لنا أن نلفت إلى أنه سبحانه قال : وهو الذي ، وكلمة ( الذي ) اسم موصول واحد يدلنا على أن الحق صلته بالس
تفسير الشعراوي
الشعراوي