ﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون ١ هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون٢ وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون٣
افتتح الله تعالى كتابه بالحمد، ثم افتتح به أربع سور مكيات أخرى مشتملة كل منها على دعوة الإسلام ومحاجة المشركين فيها، الأولى الأنعام وهي آخر سورة كاملة في آخر الربع الأول من القرآن، والكهف وهي أول سورة في أول الربع الثالث، وسبأ وفاطر وهما آخر الربع الثالث، وليس في الربع الثاني ولا الثالث سورة مفتتحة بالحمد. وقد قرن الحمد في الأولى بخلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، وفي الثانية بإنزال القرآن على عبده وكل منها ما سمي نورا بل هما أعظم أنوار الهداية، وفي الثالثة بخلق السموات والأرض وبحمده تعالى في الآخرة وبصفات الحكمة والخبرة والعلم بما ينزل من السماء وما يعرج فيها- والرابعة بخلق السماوات والأرض وجعل الملائكة رسلا أولي أجنحة ووصفه بسعة القدرة، والملائكة من الأنوار الإلهية التي تنزل من السماء وتعرج فيها. فظهر بهذا أن السور الثلاثة مفصلة لما أجمل في الأولى ( الأنعام ) مما حمد الله عليه كما أنها مؤيدة لما فيها إثبات التوحيد والرسالة والبعث.
وهو الله في السماوات وفي الأرض اسم الجلالة « الله » علم لرب العالمين خالق السموات والأرض، وقد كان هذا معروفا عند مشركي العرب. قال تعالى في سورة العنكبوت : ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون [ العنكبوت : ٦١ ] ومثلها في سورة الزمر : ٣٩ وفي معنى هذا السؤال والجواب آيات كثيرة وردت في سياق إثبات التوحيد والبعث – راجع من آية ٨٠ إلى ٩٠ من سورة المؤمنين ومن آية ٦١ إلى ٧٠ من سورة النمل. فمن هذه الآيات تعلم أن اسم الجلالة يشمل هذه الصفات أو يستلزمها، فمعنى الآية أن الله تعالى هو الله تعالى المتصف بهذه الصفات المعروف والمعترف له بها في السموات والأرض. كما تقول أن حاتما هو حاتم في طي وفي جميع القبائل – أي هو المعروف بالجود المعترف له به في كل قومه وفي غيرهم، وأن فلانا هو الخليفة في مملكته وفي جميع البلاد الإسلامية. وفي معنى هذا قوله تعالى في أواخر الزخرف ٨٤ : وهو الذي في السماء إلاه وفي الأرض إلاه وهو الحكيم العليم الخ الآيات.
وجعل بعضهم المعنى الاشتقاقي في الاسم الكريم إما المعبود وإما المدعو، وهذا هو معنى « الإله » وهو داخل في مفهوم الاسم الأعظم، والمعنى على هذا : كمعنى آية الزخرف أي وهو المعبود أو المدعو في السماوات والأرض. وقال الحافظ ابن كثير إنه الأصح من الأقوال. وفي الآيات وجوه أخرى : فمنها أنه المعروف بالإلهية أو المتوحد بالإلهية فيهما – ومنها أنه الذي يقال له الله فيهما لا يشرك به في هذا الاسم. وقيل إن « في السموات وفي الأرض » متعلق بما بعده وفيه إشكال نحوي وإشكال معنوي.
وزعمت الجهمية أن المعنى أن الله تعالى كائن في السموات والأرض، ومنه أخذوا قولهم أنه في كل مكان، والله أعلى وأجل مما قالوا فهو بائن من خلقه غير حال فيه كله ولا في جزء منه، وما صح من إطلاق كونه في السماء ليس معناه أنه حال في هذه الأجرام السماوية كلها أو بعضها، وإنما هو إطلاق لإثبات علوه على خلقه غير مشابه لهم في شيء، بل هو بائن منهم ليس كمثله شيء.
أما جملة يعلم سركم وجهركم فهي تقرير لمعنى الجملة الأولى لأن الذي استوى في علمه السر والعلانية هو الله وحده، وإلا فهو كلام مبتدأ بمعنى : هو يعلم سركم وجهركم، أو خبر ثان قيل أو ثالث ويعلم ما تكسبون ( ٣ ) من الخير والشر فيجازيكم عليه.

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير