واللمسة الثالثة تضم اللمستين الأوليين في إطار واحد ؛ وتقرر ألوهية الله في الكون والحياة الإنسانية سواء :
( وهو الله في السماوات وفي الأرض، يعلم سركم وجهركم، ويعلم ما تكسبون )..
إن الذي خلق السماوات والأرض هو الله في السماوات وفي الأرض. هو المتفرد بالألوهية فيهما على السواء. وكل مقتضيات الألوهية متحققة عليهما، من خضوع للناموس الذي سنه الله لهما، وائتمار بأمره وحده. وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في حياة الإنسان. فلقد خلقه الله كما خلق السماوات والأرض ؛ وهو في تكوينه الأول من طين هذه الأرض ؛ وما رزقه من خصائص جعلت منه إنسانا رزقه إياه الله ؛ وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الذي سنه الله له - رضي أم كره - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله، لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه : فهما يلتقيان ولكن لا يملكان أن يعطيا جنينا وجوده ! وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة ! وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه ؛ ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له. وهو يحس ويتألم، ويجوع ويعطش، ويأكل ويشرب.. وبالجملة يعيش.. وفق ناموس الله، على غير إرادة منه ولا اختيار.. شأنه في هذا شأن السماوات والأرض سواء.
والله - سبحانه - يعلم سره وجهره. ويعلم ما يكسب في حياته في سره وجهره.
والأليق به أن يتبع - إذن - ناموس الله في حياته الاختيارية - فيما يتخذه من تصورات اعتقادية، وقيم اعتبارية، وأوضاع حيوية - لتستقيم حياته الفطرية المحكومة بناموس الله ؛ مع حياته الكسبية حين تحكمها شريعة الله. ولكي لا يناقض بعضه بعضا، ولا يصادم بعضه بعضا ؛ ولا يتمزق مزقا بين ناموسين وشرعين : أحدهما إلهي والأخر بشري وما هما بسواء..
حاضر المسلمين
إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة، إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل " الخلق " ودليل " الحياة " ممثلين في الآفاق وفي الأنفس.. ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا، لاهوتيا أو فلسفيا ! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء ؛ وحركة التدبير والهيمنة ؛ في صورة التقرير لا في صورة الجدل ؛ وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله ؛ ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه.
ووجود السماوات والأرض، وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح ؛ ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه.. كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق، ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله.. والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها - بل القرآن كله - تقريرها. وليست هي قضية " وجود " الله. فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق، بصفاته الحقة ؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله !
ومشركو العرب الذين كانت هذه السورة تواجههم ما كانوا يجحدون الله البتة ؛ بل كانوا يقرون بوجوده سبحانه، وبأنه الخالق الرازق، المالك، المحيي المميت.. إلى كثير من الصفات - كما يقرر القرآن ذلك في مواجهتهم، وفي حكاية أقوالهم - ولكن انحرافهم الذي وصمهم بالشرك هو أنهم ما كانوا يعترفون بمقتضىاعترافهم ذاك : من تحكيم الله - سبحانه - في أمرهم كله ؛ ونفي الشركاء له في تدبير شؤون حياتهم ؛ واتخاذ شريعته وحدها قانونا، ورفض مبدأ تحكيم غير الله في أي شأن من شؤون الحياة.
هذا هو الذي وصمهم بالشرك وبالكفر ؛ مع إقرارهم بوجود الله سبحانه، ووصفه بتلك الصفات، التي من مقتضاها أن يتفرد سبحانه بالحكم في شأنهم كله، بما أنه الخالق الرازق المالك، كما كانوا يعترفون.. ومواجهتهم في مطلع هذه السورة بصفات الله هذه من الخلق للكون وللإنسان، ومن تدبيره لأمر الكون وأمر الإنسان ؛ ومن علمه وإحاطته بسرهم وجهرهم وعملهم وكسبهم.. إنما هو المقدمة التي يرتب عليها ضرورة إفراده سبحانه بالحاكمية والتشريع، كما أوضحنا في التعريف المجمل بخط السورة ومنهجها.
ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية، ولتقرير الحاكمية، هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار الله..
والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم ! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة ؛ ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية، كي لا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة !
واليهود - مهما بلغ من كيدهم ومكرهم - لا يملكون أن يغلبوا الفطرة البشرية، التي تجد في قرارتها الإيمان بوجود إله - وإن كانت تضل فقط في معرفة الإله الحق بصفاته الحقة ؛ كما أنها تنحرف بعدم توحيد سلطانه في حياتها، فتوصم بالشرك والكفر على هذا الأساس - ولكن بعض النفوس تفسد فطرتها، وتتعطل فيها أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية. وهذه النفوس وحدها هي التي يمكن أن يفلح معها كيد اليهود الذي يستهدف نفي وجود الله فيها. ولكن هذه النفوس المعطلة الفطرة ستظل قليلة وشاذة في مجموع البشر في كل زمان.. والملحدون الحقيقيون على ظهر الأرض اليوم لا يتجاوزون بضعة ملايين في روسيا والصين من بين مئات الملايين الذين يحكمهم الملحدون بالحديد والنار ؛ على الرغم من الجهد الناصب خلال أربعين عاما في نزع الإيمان بكل وسائل التعليم والإعلام !
إنما يفلح اليهود في حقل آخر. وهو تحويل الدين إلى مجرد مشاعر وشعائر. وطرده من واقع الحياة. وإيهام المعتقدين به أنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين بالله ؛ مع أن هناك أربابا أخرى هي التي تشرع لحياتهم من دون الله ! ويصلون بذلك إلى تدمير البشرية فعلا، حتى مع وهمها أنها لا تزال تؤمن بالله.
وهم يستهدفون الإسلام - قبل كل دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله، أنهم لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة. وأنهم غالبوا أهله طالما أهله لا يحكمونه في حياتهم ؛ مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين بالله ! فهذا التخدير بوجود الدين - وهو غير موجود في حياة الناس - ضروري لتنجح المؤامرة.. أو يأذن الله فيصحو الناس !
وأحسب - والله أعلم - أن اليهود الصهيونيين، والنصارى الصليبيين، كليهما، قد يئسوا من هذا الدين في هذه المنطقة الإسلامية الواسعة في إفريقية وآسيا وأوربا كذلك.. يئسوا من أن يحولوا الناس فيها إلى الإلحاد - عن طريق المذاهب المادية - كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار.. ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلا على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام، أو حتى ورث الإسلام !
وأحسب - والله أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير ؛ فعدلوا إلى طرائق أخبث، وإلى حبائل أمكر.. لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام ؛ وتتمسح في العقيدة ؛ ولا تنكر الدين جملة.. ثم هي تحت هذا الستار الخادع، تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون، ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل !
إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام - أو على الأقل تعلن احترامها للدين - بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله ؛ وتقصي شريعة الله عن الحياة ؛ وتحل ما حرم الله ؛ وتنشر تصورات وقيما مادية عن الحياة والأخلاق تدمر التصورات والقيم الإسلامية ؛ وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية، وسحق التصورات والاتجاهات الدينية ؛ وتنفذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين، من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع، وجعلها فتنة للمجتمع، باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج ؛ بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف ! وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعا بالعمل والتوجيه.. كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة ! والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع مسلم، وأنهم هم كذلك مسلمون ! أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون ؟ أما أن تكون الحاكمية لله وحده أو تكون للأرباب المتفرقة، فهذا ما قد خدعتهم عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة ؛ وأفهمتهم أنه لا علاقة له بالدين. وأن المسلمين يمكن أن يكونوا مسلمين ؛ وفي دين الله ؛ بينما حياتهم كلها تقوم على تصورات وقيم وشرائع وقوانين ليست من هذا الدين !
وإمعانا في الخداع والتضليل ؛ وإمعانا من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي، فإنها تثير حروبا مصطنعة - باردة أو ساخنة - وعداوات مصطنعة في شتى الصور، بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية، وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية، وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة !
تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة، لتزيد من عمق الخدعة ؛ ولتبعد الشبهة عن العملاء، الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد ؛ من تدمير القيم والأخلاق ؛ وسحق العقائد والتصورات ؛ وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول.. وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم.. وتنفيذ المخططات الرهيبة التي تضمنتها بروتوكولات الصهيونيين ومؤتمرات المبشرين ؛ في غفلة من الرقباء والعيون !
فإذا بقيت بقية في هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة ؛ ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف ؛ وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه ؛ ولوصف الكفر بأنه الإسلام ؛ والفسق والفجور والانحلال، بأنه تطور وتقدم وتجدد.. إذا بقيت بقية كهذه سلطت عليها الحرب الساحقة الماحقة ؛ وصبت عليها التهم الكاذبة الفاجرة وسحقت سحقا، بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء ! ! !
ذلك بينما الطيبون السذج من المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية، أو طائفية، لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين ؛ ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء - من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق - بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة، وإلى منكرات صغيرة، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملا بهذه الصيحات الخافتة..
بينما الدين كله يسحق سحقا، ويدمر من أساسه ؛ وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون، وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلا !
إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحا بنجاح الخطة وجواز الخدعة ؛ بعدما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواج
واللمسة الثالثة تضم اللمستين الأوليين في إطار واحد ؛ وتقرر ألوهية الله في الكون والحياة الإنسانية سواء :
( وهو الله في السماوات وفي الأرض، يعلم سركم وجهركم، ويعلم ما تكسبون )..
إن الذي خلق السماوات والأرض هو الله في السماوات وفي الأرض. هو المتفرد بالألوهية فيهما على السواء. وكل مقتضيات الألوهية متحققة عليهما، من خضوع للناموس الذي سنه الله لهما، وائتمار بأمره وحده. وكذلك ينبغي أن يكون الشأن في حياة الإنسان. فلقد خلقه الله كما خلق السماوات والأرض ؛ وهو في تكوينه الأول من طين هذه الأرض ؛ وما رزقه من خصائص جعلت منه إنسانا رزقه إياه الله ؛ وهو خاضع من ناحية كيانه الجسمي للناموس الذي سنه الله له - رضي أم كره - يعطى وجوده وخلقه ابتداء بمشيئة الله، لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه : فهما يلتقيان ولكن لا يملكان أن يعطيا جنينا وجوده ! وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة ! وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه ؛ ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له. وهو يحس ويتألم، ويجوع ويعطش، ويأكل ويشرب.. وبالجملة يعيش.. وفق ناموس الله، على غير إرادة منه ولا اختيار.. شأنه في هذا شأن السماوات والأرض سواء.
والله - سبحانه - يعلم سره وجهره. ويعلم ما يكسب في حياته في سره وجهره.
والأليق به أن يتبع - إذن - ناموس الله في حياته الاختيارية - فيما يتخذه من تصورات اعتقادية، وقيم اعتبارية، وأوضاع حيوية - لتستقيم حياته الفطرية المحكومة بناموس الله ؛ مع حياته الكسبية حين تحكمها شريعة الله. ولكي لا يناقض بعضه بعضا، ولا يصادم بعضه بعضا ؛ ولا يتمزق مزقا بين ناموسين وشرعين : أحدهما إلهي والأخر بشري وما هما بسواء..
حاضر المسلمين
إن هذه الموجة العريضة الشاملة في مطلع السورة، إنما تخاطب القلب البشري والعقل البشري بدليل " الخلق " ودليل " الحياة " ممثلين في الآفاق وفي الأنفس.. ولكنها لا تخاطب بهما الإدراك البشري خطابا جدليا، لاهوتيا أو فلسفيا ! ولكن خطابا موحيا موقظا للفطرة، حيث يواجهها بحركة الخلق والإحياء ؛ وحركة التدبير والهيمنة ؛ في صورة التقرير لا في صورة الجدل ؛ وبسلطان اليقين المستمد من تقرير الله ؛ ومن شهادة الفطرة الداخلية بصدق هذا التقرير فيما تراه.
ووجود السماوات والأرض، وتدبيرهما وفق هذا النظام الواضح ؛ ونشأة الحياة - وحياة الإنسان في قمتها - وسيرها في هذا الخط الذي سارت فيه.. كلاهما يواجه الفطرة البشرية بالحق، ويوقع فيها اليقين بوحدانية الله.. والوحدانية هي القضية التي تستهدف السورة كلها - بل القرآن كله - تقريرها. وليست هي قضية " وجود " الله. فلقد كانت المشكلة دائما في تاريخ البشرية هي مشكلة عدم معرفة الإله الحق، بصفاته الحقة ؛ ولم تكن هي مشكلة عدم الإيمان بوجود إله !
ومشركو العرب الذين كانت هذه السورة تواجههم ما كانوا يجحدون الله البتة ؛ بل كانوا يقرون بوجوده سبحانه، وبأنه الخالق الرازق، المالك، المحيي المميت.. إلى كثير من الصفات - كما يقرر القرآن ذلك في مواجهتهم، وفي حكاية أقوالهم - ولكن انحرافهم الذي وصمهم بالشرك هو أنهم ما كانوا يعترفون بمقتضىاعترافهم ذاك : من تحكيم الله - سبحانه - في أمرهم كله ؛ ونفي الشركاء له في تدبير شؤون حياتهم ؛ واتخاذ شريعته وحدها قانونا، ورفض مبدأ تحكيم غير الله في أي شأن من شؤون الحياة.
هذا هو الذي وصمهم بالشرك وبالكفر ؛ مع إقرارهم بوجود الله سبحانه، ووصفه بتلك الصفات، التي من مقتضاها أن يتفرد سبحانه بالحكم في شأنهم كله، بما أنه الخالق الرازق المالك، كما كانوا يعترفون.. ومواجهتهم في مطلع هذه السورة بصفات الله هذه من الخلق للكون وللإنسان، ومن تدبيره لأمر الكون وأمر الإنسان ؛ ومن علمه وإحاطته بسرهم وجهرهم وعملهم وكسبهم.. إنما هو المقدمة التي يرتب عليها ضرورة إفراده سبحانه بالحاكمية والتشريع، كما أوضحنا في التعريف المجمل بخط السورة ومنهجها.
ودليل الخلق ودليل الحياة كما أنهما صالحان لمواجهة المشركين لتقرير الوحدانية، ولتقرير الحاكمية، هما كذلك صالحان لمواجهة اللوثات الجاهلية الحديثة التافهة في إنكار الله..
والحقيقة أن هناك شكا كثيرا فيما إذا كان هؤلاء الملحدون يصدقون أنفسهم ! فأغلب الظن أنها بدأت مناورة في وجه الكنيسة ؛ ثم استغلها اليهود لرغبتهم في تدمير قاعدة الحياة البشرية الأساسية، كي لا يبقى على وجه الأرض من يقوم على هذه القاعدة غيرهم - كما يقولون في بروتوكولات حكماء صهيون - ومن ثم تنهار البشرية وتقع تحت سيطرتهم، بما أنهم هم وحدهم الذين سيحافظون على مصدر القوة الحقيقية الذي توفره العقيدة !
واليهود - مهما بلغ من كيدهم ومكرهم - لا يملكون أن يغلبوا الفطرة البشرية، التي تجد في قرارتها الإيمان بوجود إله - وإن كانت تضل فقط في معرفة الإله الحق بصفاته الحقة ؛ كما أنها تنحرف بعدم توحيد سلطانه في حياتها، فتوصم بالشرك والكفر على هذا الأساس - ولكن بعض النفوس تفسد فطرتها، وتتعطل فيها أجهزة الاستقبال والاستجابة الفطرية. وهذه النفوس وحدها هي التي يمكن أن يفلح معها كيد اليهود الذي يستهدف نفي وجود الله فيها. ولكن هذه النفوس المعطلة الفطرة ستظل قليلة وشاذة في مجموع البشر في كل زمان.. والملحدون الحقيقيون على ظهر الأرض اليوم لا يتجاوزون بضعة ملايين في روسيا والصين من بين مئات الملايين الذين يحكمهم الملحدون بالحديد والنار ؛ على الرغم من الجهد الناصب خلال أربعين عاما في نزع الإيمان بكل وسائل التعليم والإعلام !
إنما يفلح اليهود في حقل آخر. وهو تحويل الدين إلى مجرد مشاعر وشعائر. وطرده من واقع الحياة. وإيهام المعتقدين به أنهم يمكن أن يظلوا مؤمنين بالله ؛ مع أن هناك أربابا أخرى هي التي تشرع لحياتهم من دون الله ! ويصلون بذلك إلى تدمير البشرية فعلا، حتى مع وهمها أنها لا تزال تؤمن بالله.
وهم يستهدفون الإسلام - قبل كل دين آخر - لأنهم يعرفون من تاريخهم كله، أنهم لم يغلبهم إلا هذا الدين يوم كان يحكم الحياة. وأنهم غالبوا أهله طالما أهله لا يحكمونه في حياتهم ؛ مع توهمهم أنهم ما يزالون مسلمين مؤمنين بالله ! فهذا التخدير بوجود الدين - وهو غير موجود في حياة الناس - ضروري لتنجح المؤامرة.. أو يأذن الله فيصحو الناس !
وأحسب - والله أعلم - أن اليهود الصهيونيين، والنصارى الصليبيين، كليهما، قد يئسوا من هذا الدين في هذه المنطقة الإسلامية الواسعة في إفريقية وآسيا وأوربا كذلك.. يئسوا من أن يحولوا الناس فيها إلى الإلحاد - عن طريق المذاهب المادية - كما يئسوا كذلك من تحويلهم إلى ديانات أخرى عن طريق التبشير أو الاستعمار.. ذلك أن الفطرة البشرية بذاتها تنفر من الإلحاد وترفضه حتى بين الوثنيين - فضلا على المسلمين - وأن الديانات الأخرى لا تجرؤ على اقتحام قلب عرف الإسلام، أو حتى ورث الإسلام !
وأحسب - والله أعلم - أنه كان من ثمرة اليأس من هذا الدين أن عدل اليهود والصهيونيون والنصارى الصليبيون عن مواجهة الإسلام جهرة عن طريق الشيوعية أو عن طريق التبشير ؛ فعدلوا إلى طرائق أخبث، وإلى حبائل أمكر.. لجأوا إلى إقامة أنظمة وأوضاع في المنطقة كلها تتزيا بزي الإسلام ؛ وتتمسح في العقيدة ؛ ولا تنكر الدين جملة.. ثم هي تحت هذا الستار الخادع، تنفذ جميع المشروعات التي أشارت بها مؤتمرات التبشير وبروتوكولات صهيون، ثم عجزت عن تنفيذها كلها في المدى الطويل !
إن هذه الأنظمة والأوضاع ترفع راية الإسلام - أو على الأقل تعلن احترامها للدين - بينما هي تحكم بغير ما أنزل الله ؛ وتقصي شريعة الله عن الحياة ؛ وتحل ما حرم الله ؛ وتنشر تصورات وقيما مادية عن الحياة والأخلاق تدمر التصورات والقيم الإسلامية ؛ وتسلط جميع أجهزة التوجيه والإعلام لتدمير القيم الأخلاقية الإسلامية، وسحق التصورات والاتجاهات الدينية ؛ وتنفذ ما نصت عليه مؤتمرات المبشرين وبروتوكولات الصهيونيين، من ضرورة إخراج المرأة المسلمة إلى الشارع، وجعلها فتنة للمجتمع، باسم التطور والتحضر ومصلحة العمل والإنتاج ؛ بينما ملايين الأيدي العاملة في هذه البلاد متعطلة لا تجد الكفاف ! وتيسر وسائل الانحلال وتدفع الجنسين إليها دفعا بالعمل والتوجيه.. كل ذلك وهي تزعم أنها مسلمة وأنها تحترم العقيدة ! والناس يتوهمون أنهم يعيشون في مجتمع مسلم، وأنهم هم كذلك مسلمون ! أليس الطيبون منهم يصلون ويصومون ؟ أما أن تكون الحاكمية لله وحده أو تكون للأرباب المتفرقة، فهذا ما قد خدعتهم عنه الصليبية والصهيونية والتبشير والاستعمار والاستشراق وأجهزة الإعلام الموجهة ؛ وأفهمتهم أنه لا علاقة له بالدين. وأن المسلمين يمكن أن يكونوا مسلمين ؛ وفي دين الله ؛ بينما حياتهم كلها تقوم على تصورات وقيم وشرائع وقوانين ليست من هذا الدين !
وإمعانا في الخداع والتضليل ؛ وإمعانا من الصهيونية العالمية والصليبية العالمية في التخفي، فإنها تثير حروبا مصطنعة - باردة أو ساخنة - وعداوات مصطنعة في شتى الصور، بينها وبين هذه الأنظمة والأوضاع التي أقامتها والتي تكفلها بالمساعدات المادية والأدبية، وتحرسها بالقوى الظاهرة والخفية، وتجعل أقلام مخابراتها في خدمتها وحراستها المباشرة !
تثير هذه الحروب المصطنعة والعداوات المصطنعة، لتزيد من عمق الخدعة ؛ ولتبعد الشبهة عن العملاء، الذين يقومون لها بما عجزت هي عن إتمامه في خلال ثلاثة قرون أو تزيد ؛ من تدمير القيم والأخلاق ؛ وسحق العقائد والتصورات ؛ وتجريد المسلمين في هذه الرقعة العريضة من مصدر قوتهم الأول.. وهو قيام حياتهم على أساس دينهم وشريعتهم.. وتنفيذ المخططات الرهيبة التي تضمنتها بروتوكولات الصهيونيين ومؤتمرات المبشرين ؛ في غفلة من الرقباء والعيون !
فإذا بقيت بقية في هذه الرقعة لم تجز عليها الخدعة ؛ ولم تستسلم للتخدير باسم الدين المزيف ؛ وباسم الأجهزة الدينية المسخرة لتحريف الكلم عن مواضعه ؛ ولوصف الكفر بأنه الإسلام ؛ والفسق والفجور والانحلال، بأنه تطور وتقدم وتجدد.. إذا بقيت بقية كهذه سلطت عليها الحرب الساحقة الماحقة ؛ وصبت عليها التهم الكاذبة الفاجرة وسحقت سحقا، بينما وكالات الأنباء العالمية وأجهزة الإعلام العالمية خرساء صماء عمياء ! ! !
ذلك بينما الطيبون السذج من المسلمين يحسبون أنها معركة شخصية، أو طائفية، لا علاقة لها بالمعركة المشبوبة مع هذا الدين ؛ ويروحون يشتغلون في سذاجة بلهاء - من تأخذه الحمية للدين منهم وللأخلاق - بالتنبيه إلى مخالفات صغيرة، وإلى منكرات صغيرة، ويحسبون أنهم أدوا واجبهم كاملا بهذه الصيحات الخافتة..
بينما الدين كله يسحق سحقا، ويدمر من أساسه ؛ وبينما سلطان الله يغتصبه المغتصبون، وبينما الطاغوت - الذي أمروا أن يكفروا به - هو الذي يحكم حياة الناس جملة وتفصيلا !
إن اليهود الصهيونيين والنصارى الصليبيين يفركون أيديهم فرحا بنجاح الخطة وجواز الخدعة ؛ بعدما يئسوا من هذا الدين أن يقضوا عليه مواج