وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ( ٥٤ ).
٣٨٥- قال تعالى يصف قول قريش : أهؤلاء من الله عليهم من بيننا كالاستحقار لهم والأنفة منهم. [ الإحياء : ٣/٢٠٥ ].
٣٨٦- ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أي استحقارا لهم واستبعادا لتقدمهم. [ نفسه : ٣/٣٦٥ ].
٣٨٧- أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين ظن أولائك الجهال أن النعمة العظيمة والمنة الكريمة، إنما تعطى من يكون أكثرهم مالا وأشرفهم حسبا ونسبا، فقالوا : ما بال هؤلاء الفقراء بزعمكم من العبيد والأحرار أعطوا هذه النعمة العظيمة بزعمكم دوننا ؟ فقالوا عل طريق الاستكبار ومجرى الاستهزاء : أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا ؟ فأجابهم الله تعالى بهذه النكتة الزاهرة، فقال : أليس الله بأعلم بالشاكرين تقدير الكلام : أن السيد الكريم إنما يعطي نعمته من يعرف قدرها، وإنما يعرف قدرها من أقبل بنفسه وقلبه فاختارها على غيرها، ولا يعبأ بما تحمل من أعباء المؤنة في تحصيلها، ثم لا يزال قائما بالباب يؤدي شكرها، وكان في علمنا السابق أن هؤلاء الضعفاء يعرفون هذه النعمة، ويقومون بشكرها، فكانوا أولى بهذه النعمة منكم، فلا اعتبار بغناكم وثروتكم، ولا جاهكم في الدنيا وحشمتكم(١)، ولا نسبكم في الأنساب ولا حسبكم، إنما تحسبون النعمة كلها ؛ الدنيا وحطامها والحسب والنسب وعلوه، لا الدين والعلم والحق ومعرفته، وإنما تعظمون ذلك وتتفاخرون به، ألا ترون أنكم لا تكادون تقبلون هذا الدين والعلم والحق إلا بمنة على من أتاكم به، وذلك لاستحقاركم ذلة وقلة مبالاتكم به ؟ وأن هؤلاء الضعفاء يقتلون أنفسهم على ذلك، ويبذلون مهجتهم فيه، ولا يبالون بما فاتهم ولا بمن عاداهم مع ذلك ؟ لتعلموا أنهم هم الذين عرفوا قدر هذه النعمة، ورسخ في قلوبهم تعظيمها، وهان عليهم فوق كل شيء دونها، وطاب لهم احتمال كل شدة، ويستغرقون جميع العمر في شكره.
فلذلك استأهلوا هذه المنة الكريمة، والنعمة العظيمة في سابق علمنا، وخصصناهم بها دونكم، فهذه هذه. [ منهاج العابدين إلى جنة رب العالمين : ٣٢٤-٣٢٥ ]
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي