تفسير المفردات : من الله عليهم : أي أنعم عليهم بنعم كثيرة.
المعنى الجملي : كان الكلام في الآيات السالفة في بيان أركان الدين وأصول العقائد، وهي : توحيد الله عز وجل، ووظيفة الرسل عليهم السلام، والجزاء على الأعمال يوم الحساب.
وهنا ذكر وظيفة الرسل العامة بتطبيقها على خاتم الرسل صلوات الله وسلامه عليه، وأزال أوهام الناس فيها، وأرشد إلى أمر الجزاء في الآخرة وكون الأمر فيه لله تعالى وحده على وجه يزيد عقيدة التوحيد تقريرا و تأكيدا، وبيانا وتفصيلا.
ثم بين أن مقال المشركين في شأن المستضعفين ابتلاء من الله وفتنة فقال : وكذلك فتنا بعضهم ببعض .
الإيضاح : وكذلك فتنا بعضهم ببعض أي ومثل ذلك الفتن أي الابتلاء والاختبار، فتنا بعضهم ببعض : أي جعلنا بحسب سنتنا في غرائز البشر وأخلاقهم بعضهم فتنة لبعض تظهر به حقيقة حاله، كما يظهر للصائغ حقيقة الذهب والفضة بفتنتهما بالنار.
ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أي لتكون العاقبة أن يقول المفتونون من الأقوياء في شأن الضعفاء من المؤمنين : أهؤلاء الصعاليك من العبيد والموالي والفقراء والمساكين خصهم الله بهذه النعمة العظيمة من جملتنا أو من مجموعنا ؟
والخلاصة : إن ذلك لن يكون، لأنهم هم المفضلون عند الله بما آتاهم من غني وثروة وجاه وقوة، فلو كان هذا الدين خيرا لمنحهم إياه دون هؤلاء الضعفاء كما أعطاهم من قبل الجاه والثروة، وقد حكى الله عنهم مثل هذا بقوله : وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه [ الأحقاف : ١١ ].
ثم رد عليهم مقالتهم الدالة على العتو والاستكبار بقوله :
أليس الله بأعلم بالشاكرين أي إن المستحق لمنّ الله وزيادة نعمه إنما هو من يقدرها قدّرها، ويعرف حق المنعم بها فيشكره عليها، لا من سبق الإنعام عليه فكفر وبطر وعتا واستكبر.
وبهذا مضت سنة الله في عباده، ولولا هذا لكانت النعم خالدة لا تنزع ممن أوتيها وإن كفر بها، وهل فتن أولئك الكبراء إلا بما حصل لهم من الغنى والقوة ؟ فظنوا جهلا منهم بسنة الله في أمثالهم أنه تعالى ما أعطاهم ذلك إلا تكريما لذواتهم، وتفضيلا لهم على غيرهم.
وفي الآية إيماء إلى أن ما اغتروا به من النعم لن يدوم، ولا يبقى المؤمنون على الضعف الذي صبروا عليه، بل لا بد أن تنعكس الحال فيسلب الأقوياء ما أعطوا من قوة ومال، وتدول الدولة لهؤلاء الضعفاء من المؤمنين فيكونوا هم الأئمة الوارثين وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد [ إبراهيم : ٧ ].
كذلك فيها إشارة إلى أن تركهم للإيمان لم يكن إلا جحودا ناشئا عن الكبر والعلو في الأرض لا عن حجة ولا عن شبهة، وإلى أن ضعفاء المؤمنين السابقين لم يفتنوا بغنى كبراء المشركين وقوتهم.
تفسير المراغي
المراغي